صناعة أزياء الصغار .. بين متطلبات الجمال وضرورة جني الأرباح

أزياء الصغار .. قطاع يحقق أرباحاً تنافس تلك التي تحققها الأزياء الرجالية والنسائية في الوقت الحالي
أزياء الصغار .. قطاع يحقق أرباحاً تنافس تلك التي تحققها الأزياء الرجالية والنسائية في الوقت الحالي

سوري ابنة النجم الأميركي توم كروز وزوجته الممثلة كايتي هولمز، ليست في سن يسمح لها بتصفح مجلات الموضة البراقة، ومن الصعب تصور أنها تعرف من هو جون جاليانو أو دار «شانيل» بل ربما لا تستطيع أن تنطق حتى اسم «جون بول جوتييه» أو «بيربيري» بسهولة، لكنهم مع ذلك يتوددون لها ولأمثالها في كل المناسبات وبكل الطرق.


فهم يعرفون أن سوري تخطف الأضواء من والديها من دون حتى أن تحاول، لبراءتها من جهة، ولأناقتها من جهة ثانية، إلى درجة أن إحدى المجلات أطلقت عليها مؤخرا لقب أيقونة موضة رغم سنواتها الثلاث.

حسب المجلة، فإن الصغيرة تتمتع بأسلوب خاص تحدده الفساتين والمعاطف المفصلة على شكل فساتين، وغرة منسدلة على الجبين تزيدها حلاوة، فضلا عن اختيارها لأحذية دائما أنيقة وملونة. أما حسب تصريحات والدها، فإن سوري الصغيرة ترفض رفضا قاطعا أن تلبس البنطلون لأنه بالنسبة لها مخصص للذكور فقط، في إشارة واضحة إلى أنها تعتز بأنوثتها.

لهذا ليس غريبا أن يتبارى المصممون وبيوت الأزياء على مخاطبة شريحة سوري كروز، منذ ولادتهم إلى أن يصلوا إلى مشارف الصبا ثم الشباب، ليس حبا فيهم بالضرورة، بل لأن أرقام المبيعات تشير إلى أن قطاع صناعة أزياء الصغار يحقق أرباحا أكثر من تلك التي تحققها الأزياء الرجالية والنسائية في الوقت الحالي، على الأقل.

والسبب أن الأطفال لا يزالون من أجمل وأغلى الإكسسوارات التي ترافق المرأة في كل مراحل حياتها، وهذا يعني أنها لن تبخل عليهم بالغالي والنفيس، سواء كانت هناك أزمة أم لم تكن، كما أنهم ببراءتهم أفضل من يروج للمصممين.

وهذا ما يعرفونه جيدا، ويتفاعلون معه بالتوسع وطرح المزيد لهم موسما بعد موسم، وليس ببعيد أن يصبح لهم جزء مخصص في أسابيع الموضة العالمية، اقتداءً بما فعله المصمم الفرنسي جون بول غوتييه في عرضه الأخير، حيث أرسل أطفالا في ملابس تشبه كثيرا تلك التي ظهر بها العارضون الكبار.

ولن نبالغ إذا قلنا أنه كان لهم أبلغ تأثير حيث ذوبوا القلوب بعد أن أذابوا جدية ما سبقهم.

طبعا هذا باستثناء المعرض السنوي «بيتي اومو» الذي يقام في مدينة فلورنسا الإيطالية وتشارك فيه كبريات بيوت الأزياء العالمية. مما لا شك فيه أن صناعة أزياء الصغار، لن تسلم من تأثيرات الأزمة العالمية مثلها مثل كل القطاعات الأخرى، فحسب مجموعة «مينتيل انترناشيونال» للأبحاث فإنها عرفت ارتفاعا بنسبة 20% ما بين عامي 2002 و2006، في الولايات المتحدة وحدها، لكن الدراسة تشير إلى أنها بدأت بالانخفاض في بداية 2008.

أما المؤكد فهو أن انخفاضها لن يكون قاضيا، ذلك أن العديد من بيوت الأزياء تراهن عليها، مثل دار «بيربيري» التي تقول إن هذا القطاع، مهم بالنسبة لها ويعرف إقبالا كبيرا من قبل الزبائن، خصوصا في أسواق الخليج العربي.

حقيقة تؤكدها الأرقام ومدى الإقبال على نقوشات الدار الكلاسيكية. الأمر نفسه ينطبق على جون بول غوتييه، وجورجيو أرماني وماركة بلومارين وغيرهم ممن افتتحوا محلات خاصة بهذه الفئة في عدة عواصم عالمية، وأصبحوا يتعاملون معها بجدية اكبر، انطلاقا من اقتناعهم بأنهم لا يخاطبون الصغار فقط بل أمهات عارفات بخبايا الموضة، ولا يقبلن بالحلول الوسطى، الأمر الذي صب في فائدة موضة الصغار، التي مرت بعدة تغيرات وتطورات. فمنذ عشر سنوات، مثلا، كانت إما عبارة عن دعاية مجانية لاسم المصمم، الذي يكتب اسمه أو اسم الدار التي ينتمي إليها بالبنط العريض على كل سنتمتر منها، أو كانت تقليدية تعتمد في جمالياتها على مدى الحب الذي نكنه للطفل أساسا وعلى حلاوة روحه.

أما ما يطرحه المصممون لهم اليوم، فمختلف تماما. فهو أكثر ابتكارا وجودة وحداثة، ويأخذ بعين الاعتبار تفرد الطفل وشخصيته. والسبب، حسب تصريحات بعض المصممين، أن الأزمة فقد تكون قد أثرت على قطاع الموضة ككل، لكنها أيضا حفزت على المزيد من الإبداع لمواجهة المنافسة، رغم موجة التشاؤم السائدة، والناتجة عن إغلاق بعض المحلات المعروفة في هذا المجال أبوابها، مثل محلات «بيست أند كو» التي كانت تخاطب الأثرياء ممن لا يترددون في صرف 995 دولارا على فستان من تصميم بيتر سوم أو غيره، أو ماركة «بين شرمان» التي أغلقت بدورها خطها الخاص بالصغار.

لكن في مقابل هؤلاء، هناك من يصر على الاستمرار وإعطاء المزيد، مثل محلات «كاراميل» في منطقة «نوتينجهيل» التي أصبحت وجهة لنجمات أمها من مثيلات، مادونا، جوينيث بالترو، ستيلا ماكارتني، كلوديا شيفر، هالي بيري وغيرهن، وبيوت أزياء كبيرة ترفض التراجع أو التوقف عن التوسع في هذا المجال بافتتاح فروع جديدة لها في الشرق الأوسط أو الشرق الأقصى حتى في عز الأزمة.

قد يقول البعض إنها تتوفر على قطاعات أخرى تسندها، مثل الإكسسوارات الجلدية والعطور وغيرها، إلا أن ما يساعدها فعلا أنها لا تتخصص في ملابس بأسعار عالية، مثلا أزياء المناسبات التي تكلف كثيرا، بل تطرح كل ما يحتاجه الطفل، سواء كان رضيعا أو مقبلا على عام دراسي جديد، وسواء كان يريد أن يلعب في البحر أو يتسلق الجبال.

وربما تكون «بيربيري» أكثر من فهم أن الموضة أسلوب حياة، فهي تتمتع بمحلات خاصة بهم في كل من لندن، نيويورك، اسطنبول، الكويت، هونغ كونغ ودبي، ومعظم التصميمات التي تطرحها مستوحاة من تلك التي يصممها كريستوفر بايلي، المصمم الفني للدار، للكبار بنقوشاتها الكلاسيكية ومعاطفها المتميزة بتصميمات مريحة تسمح لهم بالحركة واللعب.

«مارك جايكوبس» و«كلوي» أيضا من الماركات التي تعرض تشكيلات للصغار مستوحاة من تلك التي يطرحونها للكبار، فضلا عن ستيلا ماكارتني، وإن كانت الأخيرة تستمد فهمها لهذا الجانب من كونها أما لثلاثة أطفال، وبالتالي تعرف ما يحتاجونه وما يروق لها كأم شابة. فبالإضافة إلى خط تطرحه بدعم من «جوتشي» تعاونت أيضا مع محلات «جاب» الأميركية سابقا، لطرح أزياء في متناول كل الأمهات.

المصممة سينثيا راولي، أيضا طرحت مجموعة أزياء خاصة بالرضع بأسعار جد معقولة. ورغم ما يردده البعض من أن المصممين اتجهوا إلى الصغار بعد أن استنزفوا كل ما لديهم من أفكار لتصميم أحذية وحقائب يد، في إشارة إلى أن الأطفال تحولوا إلى إكسسوارات، إلا أن البعض يراها نقلة طبيعية يتطلبها السوق. فالمتعارف عليه أنه سوق يغذي حاجة الصغار والكبار في الوقت ذاته، والكبار هنا هم الآباء والأمهات، وهذا ما تعرفه بيوت الأزياء جيدا ويشجعها على افتتاح فروع جديدة لها في أماكن كثيرة، هذا عدا أنها قد تكون قد خططت لهذه التوسعات قبل الأزمة، وكان لا بد لهم من الاستمرار فيها على أمل أنها ستمر بسلام.