Top
موقع الجمال

شارك

أناقة هي

مصممو شانيل: الفساتين راقية تحتاج تطريزات دار «ليساج»

تاريخ النشر:05-07-2007 / 12:00 PM

مصممو شانيل: الفساتين راقية تحتاج تطريزات دار «ليساج»

تحية المصمم كارل لاغرفيلد لدار "شانيل" بشكل خاص، والموضة بشكل عام، في المواسم الأخيرة تتركز بشكل لافت على احتفاله بالجنود المجهولين، أي الحرفيين الكبار، الذين أصبح معظمهم ينضوي تحت راية الدار التي ينتمي إليها، والذين لولاهم لما كانت هناك موضة كما نعرفها اليوم أو موسم الـ "هوت كوتير".

فعندما تذكر الموضة وهذا الموسم بالذات الذي بدأ اليوم في عاصمة السحر والأناقة، أول ما يتبادر إلى الذهن الفساتين المترفة التي تدغدغ الخيال بأحجارها وخرزها وريشها، والتي لا يضاهي سحرها سوى بعدها عن المنال لمبالغها التي يمكن شراء شقة محترمة بها. تتبادر إلى الذهن أيضا أسماء عالمية من أمثال ديور، شانيل، لاكروا، وإيف سان لوران، لكن قلما يخطر ببال العديد منا أن هناك جنودا مجهولين يعملون لخدمة الأناقة وترسيخ صورتها الفخمة بدأب وحب، ولا يعرف بوجودها سوى العارفين أو العاملين في الوسط نفسه، نذكر من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر دار "ليساج"، أهم دار تطريز في باريس منذ بداية القرن الماضي إلى الآن. فما يعرفه كل فرنسي، بل كل مهتم بالموضة أينما كان مكان وجوده، أنه ليست هناك "أزياء مترفة من دون تطريزات، وليست هناك تطريزات من دون ليساج"، هذا على الأقل ما صرح به كارل لاغرفيلد في مناسبة من المناسبات.

وحتى قبل أن تبدأ هجرة بعض المصممين باتجاه الهند لاعتبارات اقتصادية محضة، تبقى دائما دار "ليساج" حاضرة وقوية، عندما يفكر أي مصمم بموسم الـ "هوت كوتير" وأي امرأة بفساتين يمكن أن تورثها لحفيداتها. وريث هذه الدار ومديرها الحالي، فرانسوا ليساج، انتبه منذ البداية إلى أهمية الموضة ومدى تأثيرها النفسي، الذي يمكن أن يؤثر في الجانب الاقتصادي وجوانب أخرى من الحياة، لذلك حرص على ربط علاقة ودية معها، ومع الوقت أصبحت الموضة وداره، وجهين لعملة واحدة. فالأولى تجدد دم "ليساج"، والثانية تغذيها بإضفاء عنصري الحلم والإبهار عليها، وإن لم يبق دوره محصورا في موسم الـ "هوت كوتير". فبفضل الإيطاليين والأميركيين، الذين أدخلوا التطريزات إلى عالم الملابس الجاهزة، وأزياء النهار، تهاوى الفاصل بين الموسمين، بل حتى المجموعات الخاصة جدا التي تطرحها بيوت الأزياء بين المواسم، والتي يطلق عليها "قبل التشكيلات" (بري كوليكشن)، أو الموجهة للإجازات (كروز) وغيرهما، أصبحت تميل إلى الترف بالاهتمام بأدق التفاصيل والتطريزات.

واكبر دليل على هذا تشكيلة "مونتي كارلو"، التي أطلقها لاغرفيلد قبيل الصيف الحالي، والتي مزج فيها حلم ورومانسية الـ هوت كوتير" وتقنياتها، بأسلوب الملابس الجاهزة ذات الصبغة الحيوية والعصرية. بعبارة أخرى، هي تشكيلة أراد منها لاغرفيلد الاحتفاظ بإرث الآنسة كوكو شانيل، مع الاحتفال بالحرفيين الفنيين الذين ينضوون تحت راية الدار، وهم ماسارو للأحذية، ليماري المتخصصة في تصميم الزهور والريش، ميشيل لصناعة القبعات، ديسرو لصناعة الأزرار وغوسن لصناعة الذهب والفضة وليساج للتطريز، بتشغيلهم بشكل مكثف ليخرج أحلى ما عندهم، على شكل أزياء تضج بالرومانسية والعصرية. لإخراج تشكيلة "مونتي كارلو"، الخاصة بخط "الكروز" مثلا، عملوا ما يقرب من 10 آلاف ساعة لصنع 11 ألف زر، و400 قطعة إكسسوارات/ مجوهرات، و4000 ساعة لصنع أحذية، و1.770 ساعة لتنفيذ التطريزات. هذه الورش، التي تضم حرفيين توارثوا المهنة أبا عن جد، هم بالنسبة لأي مصمم فرنسي، الجنود المجهولون، الذين يحولون الحلم إلى حقيقة ملموسة. فهم الذين ينفذون في كل موسم، أشكالا رائعة تجمع بين المترف والمبهر، مما ساعدهم على الصمود في وجه التغيرات الاقتصادية التي أودت بمستقبل العديد من الورش والمعامل المماثلة، التي كانت تعج بها باريس في بداية القرن الماضي، لكنها بعد الأربعينات والخمسينات أصبحت تنفرط وعددها يتقلص ليعد الآن على أصابع اليد. دار "ليساج"، مثلا، اضطرت إلى تقليص عدد العاملين بها من 120 إلى حوالي خمسين فقط، ولم تسلم تجاريا لولا تدخل المصمم كارل لاغرفيلد "الفارس المنقذ"، حسب رأي المعجبين به،

لاحتوائها تحت لواء دار "شانيل". لاغرفيلد، كغيره من المصممين الباريسيين المخضرمين، الذين عايشوا الموضة الباريسية في أوج عزها، يصعب عليهم تخيل باريس من دون أسلوبها الراقي، ومن ثم من دون هذه الورش الصغيرة والحرفيين الكبار الذين يجعلون ذلك ممكنا. فعندما قررت "شانيل" شراء الورش العائلية للأعمال الحرفية الست "ماسارو، ليماري، ميشيل، ديسرو، غوسن، وليساج"، لم يكن الهدف تجاريا، وإن أخذ هذا الجانب بعين الاعتبار، بل دخلت في الحسبة اعتبارات فنية مهمة أيضا.

فالخياطة الرفيعة، شاء البعض أم أبى، شكل من الأشكال الفنية، وهذه الورش بالنسبة للمصممين من أهم أدوات هذا الفن، ومن دونها لا تكتمل الصورة، كونها هي التي تحدد مستوى الأزياء الفاخرة وتبرر الحلم والسعر، كما أنها هي التي تعطي باريس تميزها عن باقي عواصم الموضة العالمية، وهي أيضا ما تجعل بعض القطع في مستوى التحف الفنية التي لا يقدر عليها ماديا ولا يقدرها فنيا إلا قلة من النساء في العالم. تقول البارونة هيلين دي لودينغهوسون، التي عملت مع إيف سان لوران من عام 1971 إلى 2002، بأن سحر الـ "هوت كوتير" يكمن في دقة تنفيذ القطعة وتميزها، وهذا ما يبرر سعر تايور أو قميص، ما بين 15 ألفا و25 ألف دولار، وسعر فستان مطرز من قبل دار "ليساج" إلى مئات الآلاف، نظرا للوقت الذي يستغرق في تنفيذه، والذي قد يصل أحيانا إلى 150 ساعة. كما يستغرق صنع حذاء من "ماسارو"، قد يصل سعره إلى ثلاثة آلاف دولار، حوالي 40 ساعة.

ولا شك أن وجود كل هذه الخبرات في باريس، يسمح للمصممين بتجسيد تصوراتهم بطريقة غير متوفرة في أي مكان آخر في العالم، كما أن انضواءهم تحت راية "شانيل"، يجعل مصيرهم واحدا والتعاون بينهم سهلا. فعلى سبيل المثال، من الأمور الاعتيادية قبل عروض الموضة أن يرسل ميشيل قبعة إلى "ليساج" لتطريزها، ثم إلى "لوميري" لوضع الزهور والريش عليها وهكذا.
والجميل في كل هذا، انه بالرغم من أن هذه الورش تابعة لـ "شانيل"، إلا أنها لا تحتكرها، فالفكرة هي المحافظة على الخبرة والمستوى وضمان مستقبل هذه الصناعة، وليس منعها من التعامل مع بيوت الأزياء الأخرى، كما يؤكد كل من فرانسوا ليساج ودار "شانيل".

زيارة دار "ليساج" خلال أي أسبوع من أسابيع الموضة، متعة حقيقية، لأنك تشعر بأنك تدخل عالما مثيرا محاطا بالكثير من السرية، فهو عالم لا يدخله إلا قلة وبعد ترتيب مسبق وموافقة جميع الأطراف. فأنت هنا، يمكن معاينة جزء من الحلم الذي يبيعه لنا المصممون، ولمس إبداعات ستعرض على المنصات في اليوم التالي أو بعده، لذلك فالوقت قبيل وخلال أسابيع الموضة، من ذهب، والإيقاع يكون ماراثونيا، لا سيما أن الدار تتعامل مع معظم دور الأزياء وليس فقط مع "شانيل". عدد لا يستهان به من الحرفيات يعكفن بتفان وصبر على تنفيذ رغبات المصممين من دون تذمر بسبب ساعات العمل الطويلة، فهن يعرفن جيدا أن مستقبلهن مربوط بمستقبل الموضة وهذه الأسابيع، فضلا عن فخرهن بما يقمن به لاستمرار هذه الصناعة، أو بالأحرى الثقافة. إذ، كما أكد لي، فرانسوا ليساج، فإن المصلحة المشتركة بين دار "ليساج" للتطزير، ودور الأزياء الأخرى، ليست المحرك الوحيد لما تبرهن عليه "الأيادي الناعمة"، كما يطلق عليهن، من تفان، بل هنا أيضا الإحساس بالإرث الثقافي، والاعتزاز بباريس، كعاصمة عالمية لا تقبل منافسة أي عاصمة أخرى لها، وهو ما لخصه لي بقوله: «هي ثقافة، فلسفة..ففي باريس توجد توليفة رائعة من الحرفيين المتفانين في خدمة الموضة".

في المقابل لا يذهب دأبهن وجهدهن سدى، فالمصممون ممتنون لهن، وليس أدل على ذلك من كارل لاغرفيلد الذي أصبح يتبع ما يشبه التقليد في آخر كل عرض بإزاحة الستار عن بعض من يعمل معه في الاستوديو من حرفيين، والتصفيق لهم اعترافا بأياديهم الناعمة، التي من دونها لا يمكن لأي مصمم أن ينفذ أفكاره ويجسدها بالشكل اللائق على ارض الواقع، بل ومن دونها لما كنا نحصل على قطع فنية تجد طريقها إلى المتاحف إن عاجلا أو آجلا، هذا بعد أن يسوق من خلال الحلم منتجات جانبية، تحقق الربح، مثل العطور ومستحضرات التجميل والإكسسوارات. هذا الحلم هو الذي يتم تطريزه في هذه الورش بخيوط من ذهب أو فضة أو بأحجار وخرز وريش وورود. ولا يقتصر الأمر هنا على الفساتين، أو الأزياء بشكل عام، بل أيضا على الإكسسوارات من حقائب سهرة وأحذية التي تغطى بالحرير أو الدانتيل، ويأتي بعضها أيضا مرصعا بالأحجار.