سرطان الفم .. من أخطر السرطانات التي ترصد في مرحلة متأخرة

 سرطان الفم يعد من أخطر السرطانات التي يصاب بها الإنسان والسبب يعود في المقام الأول إلى أن اكتشافه عادة ما يكون في مراحل متأخرة
سرطان الفم يعد من أخطر السرطانات التي يصاب بها الإنسان والسبب يعود في المقام الأول إلى أن اكتشافه عادة ما يكون في مراحل متأخرة

من الغريب والمحزن أيضا أن يذهب المريض لزيارة طبيب الأسنان لعلاج قرحة أو انتفاخ ما في فمه ومن ثم يكتشف أن تلك القرحة هي سبب موته كونه تهاون في تركها في فمه تكبر وتترعرع على اعتبار أنها غير مؤلمة ولا تتعدى كونها التهابا فمويا سيزول في القريب العاجل.


حصلت هذه المآسي مرات عديدة بين مرضى الأسنان، والغريب أن المريض يدخل إلى غرفة العمليات سليما بقرحة واحدة وذلك لاستئصالها ويخرج وقد أزال الجراح نصف وجهه وحلقه وأسنانه ونصف عظام الفك، وذلك ليس بسبب خطأ الطبيب ولكن لأن القرحة المعنية ليست سوى فوهة لبركان ثائر انتشر في مناطق عدة في الوجه ولزم إزالتها.

سرطان خطير
إن هذه المقدمة تقودنا إلى حقيقة مرة وهي أن سرطان الفم يعد من أخطر السرطانات التي يصاب بها الإنسان والسبب يعود في المقام الأول إلى أن اكتشافه عادة ما يكون في مراحل متأخرة، وذلك من خلال فحص روتيني عند طبيب الأسنان، وفي مراحله الأخيرة يكون سرطان الفم قد انتشر إلى الأنسجة المحيطة أو إلى الغدد اللمفاوية القريبة في الوجه والرقبة.

إن اكتشاف السرطان في مراحله الأولية يزيد من فرص التخلص منه بأكثر من عشرين مرة عن اكتشافه في المراحل المتأخرة، وهذا يدلل على أهمية زيارة طبيب الأسنان بانتظام، وذلك للكشف الدوري على الفم وجميع أنسجته، وكذلك فإنه من الضروري جدا زيارة طبيب الأسنان عند ملاحظة أي تغير في الفم مثل تقرحات أو التهابات مستمرة ومزمنة أو تغير في لون أنسجة الفم إلى الأحمر أو الأبيض أو الشعور بآلام أو ضعف أو تنميل في أجزاء متفرقة من الفم أو الشفاه، كذلك فإن وجود أي انتفاخ أو ورم مزمن أو بقع خشنة أو تخلخل وتحرك مفاجئ في الأسنان أو صعوبة في البلع، يعتبر من العلامات التي يجب أن ينتبه لها المريض ويقوم فورا بزيارة طبيب الأسنان.

أورام حميدة وخبيثة
إن هناك أنواعا مختلفة لسرطان الفم والتي تشمل الأورام الحميدة والخبيثة التي تصيب الفم والشفتين (غالبا الشفة السفلية) والغدد اللعابية، وحسب آخر إحصائيات فإن هناك ما يزيد على 400 ألف مصاب بسرطان الفم سنويا يموت منهم ما يقارب 12 ألفا سنويا، ويعد الرجال أكثر عرضة للإصابة من النساء وكانت النسبة في السابق تصل إلى ستة رجال مقابل امرأة واحده مصابة.

وقد تغيرت هذه النسبة مؤخرا لتصبح اثنين إلى واحد، والسبب وراء ذلك يعود إلى تغير نمط الحياة للمرأة الحديثة وخاصة في ما يتعلق بالتدخين وشرب المواد الكحولية التي تعتبر من أهم الأسباب الرئيسية لسرطان الفم.

 أما بالنسبة للعمر فإن سرطان الفم غالبا ما يصيب من هم فوق الأربعين، ونسبة الشفاء منه متدنية تصل إلى ما يقارب الخمسين في المائة بحيث إن المصاب به قد يموت خلال خمس سنوات.

أسباب سرطان الفم
يعد التدخين بجميع أنواعه وتناول الكحول من أهم العوامل المسببة لسرطان الفم خاصة عند تناولهما معا اللذين يعتبران مسؤولين عن ما يقارب 75% من الحالات المصابة في الولايات المتحدة الأميركية، وتعتبر الشمة والقات من أنواع التدخين المنتشرة في بعض أرجاء عالمنا العربي، أشد شراسة في علاقتها بسرطان الفم، وكذلك فإن تناول الكحول يعتبر من العوامل المسببة لسرطان الفم وفي دراسة حديثة مثيرة حذر باحثون أستراليون من استخدام محاليل غسول الفم، التي تحتوي على مواد كحولية لفترات زمنية طويلة والذي قد يزيد نسبة الإصابة بسرطان الفم.

وشددت الدراسة على أهمية تجنب وصف غسول الفم للاستخدام اليومي ولفترات طويلة من قبل أطباء الأسنان، هناك أيضا فيروس مشهور ينتقل عن طريق الالتقاء الجنسي ويسمى بفيروس البابلوما البشري وخاصة رقم 16 والذي يعتبر مسببا لسرطان عنق الرحم والأعضاء التناسلية الذكرية، كما أنه يعتبر الآن المسؤول الأول عن سرطان الفم في غير المدخنين من صغار السن، وخاصة لمن يقومون بممارسة بعض العادات الجنسية الشاذة، ومن أكثر المناطق الفموية عرضة للسرطان قاعدة اللسان والجزء العلوي من بلعوم الفم.

ومن الأسباب الأخرى التي قل تأثيرها مؤخرا، التعرض لأشعة الشمس لفترات طويلة وبشكل مستمر وخاصة لمن اعتاد أخذ حمام شمسي باستمرار ومن دون استخدام واقي الشمس.

وتعد الشفاه من أهم المناطق المتأثرة من أشعة الشمس، كما أن التعرض للأشعة السينية العلاجية لفترات طويلة قد يزيد من نسبة الإصابة بالسرطان، ولكن هذا لا يعني أن الأشعة المستخدمة في عيادة الأٍسنان ضارة ويجب تجنبها، بل إنها آمنة إذا تم استخدامها بالقدر المناسب وللضرورة فقط، والمقصود هنا هو التعرض المفرط للأشعة وذلك لأن تأثير الأشعة العلاجية عادة ما يكون تراكميا بالدرجة الأولى والذي إذا وصل إلى حد معين قد يسبب سرطان الفم.

نوع الغذاء المستخدم أيضا قد يلعب دورا مهما في بعض الأحيان، فتناول طعام غني بالخضروات والفواكه يساعد على التقليل من فرص الإصابة بسرطان الفم، وذلك حسب دراسات متعددة في هذه الصدد.

طرق الوقاية
الوقاية خير من العلاج، وأهم طرق الوقاية تكمن في الابتعاد عن العوامل المسببة لسرطان الفم من تبغ وكحول وأشعة شمس والعادات الجنسية الشاذة، كما أن زيارة طبيب الأسنان بانتظام يساعد على اكتشاف أي سرطان محتمل في مراحله المبكرة مما يزيد من نسب نجاح العلاج، وهنا أحب أن أوجه رسالة إلى زملاء وزميلات المهنة أن يهتموا بإجراء كشف كامل على المرضى ليشمل جميع أنسجة الفم والرقبة والتعامل مع أي خلل فيها بشكل جدي، وفي دراسة يابانية حديثة توصل الباحثون إلى دور القهوة الوقائي في التقليل من الإصابة بسرطانات الفم والبلعوم والمريء عند اليابانيين.

طرق العلاج
طرق العلاج مماثلة لطرق العلاج المستخدمة لعلاج الأنواع الأخرى من السرطان، وتشمل طرق علاج بيولوجية واستخدام عوامل نمو معينة والعلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي، وغير ذلك من الطرق الفعالة في علاج السرطان.

وفي دراسة حديثة جدا قام بها طبيب أسنان المبتعث من جامعة الملك عبد العزيز الدكتور ترك الهزازي الذي يدرس حاليا في جامعة متشغان الأميركية، تم اكتشاف عائلة جينات جديدة، تدعى سرتووينز (سرت 1 ـ 7) تلعب دورا مهما وفعالا في الإصابة بسرطان الفم.

ويعتبر سرت 3 هو الأهم في هذه العائلة حيث إن له دورا خطيرا يتمثل في زيادة حدة وفاعلية الخلايا السرطانية في سرطان الفم، كما أنه يكسب تلك الخلايا مناعة أثناء تعرض المصاب إلى العلاج الإشعاعي أو الكيميائي، مما يقلل من نسبة الشفاء ويزيد في الأعراض الجانبية القاتلة.

وفي هذا البحث العالمي نجح الباحث السعودي في الحد من فاعلية «سرت ـ 3» في الخلايا السرطانية، وقد حصل الدكتور هزازي على جائزة أحسن بحث على نشره لهذه النتائج في المؤتمر الدولي لأبحاث الأسنان والذي عقد مؤخرا في ولاية ميامي الأميركية.

وأخيرا أحب أن أذكر بضرورة القيام بزيارة طبيب أسنان متمكن وذلك لإجراء فحص متكامل للتأكد من خلو الفم والرقبة من أي تقرحات أو أورام مزمنة.