جهاز «بلاك بيري» .. يسبب التهابات الإبهام

الإبهام لم يُهيأ في الأصل لفعل تلك الأشياء الدقيقة في ذلك الحيز المكاني، استخدام لوحة مفاتيحه الصغيرة يقود الى حدوث "إصابات تكرار الإجهاد"
الإبهام لم يُهيأ في الأصل لفعل تلك الأشياء الدقيقة في ذلك الحيز المكاني، استخدام لوحة مفاتيحه الصغيرة يقود الى حدوث "إصابات تكرار الإجهاد"

منْ كان يعتقد أن الأجهزة الحديثة والبراقة من "بلاك بيري" Blackberry ومثيلاته من أجهزة المساعدات الرقمية الشخصية “بي دي إيه” PDA ، ستكون على لائحة الأشياء المسببة لأمراض اليد؟


مهما كانت الإجابة، فإن من المؤكد أن “ إبهام بلاك بيري” "Blackberry thumb" مُصطلح طبي دخل حديثاً إلى قاموس الأمراض.

وما يُوصف من قبل البعض بأنه “يأخذ العقل” و”يُعقّد”، أضحى لا يأخذ في الحقيقة عقول البعض بل راحة وسلامة إبهام أيديهم، وأمسى لا يُعقّد توقعاتهم، بل يُعقّد سلاسة تحريكهم لإبهامهم.

وهو ما يُضاف إلى ما نزداد كل يوم معرفة الجديد عنه من الأضرار المُحتملة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية الحديثة في الاتصالات والتواصل، كاضطرابات النوم وحوادث السيارات والتشويش الذهني وسرطان الدماغ وضعف السمع وغيرها.

وما تشير إليه المصادر الطبية كسلوك ضار، هو إفراط البعض في كتابة الرسائل أو الرد عليه باستخدام لوحة المفاتيح (كي بورد) أجهزة "بلاك بيري" ومثيلاتها بإصبع الإبهام، ما قد يكون السبب وراء معاناتهم من أحد أنواع “إصابات تكرار الإجهاد” repetitive stress injuries، والذي يُسمى حالة “إبهام بلاك بيري”.

والتسمية لم تقصد جهاز "بلاك بيري" كمسبب وحيد لأذى الإبهام، بل جاء ذكر "بلاك بيري" لأنه الأشهر من بين طرز أجهزة المساعد الرقمي الشخصي اللاسلكية، أو غيرها من أجهزة الهاتف الجوال.

والأمر برمته يعيد للذهن طرح ذلك السؤال: لماذا لدى الإنسان إبهامان وثمان أصابع؟

استخدام مفرط
في 15 يونيو الحالي صرّح مارغوت ميللر، رئيس مجموعة المُهتمين بالصحة المهنية في الرابطة الأميركية للعلاج الطبيعي، أن استخدام أجهزة "بي دي إيه" لم يعد لدى البعض مقتصراً على تلك الساعات الثماني أثناء البقاء في أماكن العمل الوظيفي، بل أمسى لجوء البعض، أكثر وأكثر، إلى الاعتماد على تلك الأجهزة في التواصل مع الأصدقاء وأفراد العائلة بعد فترة العمل وخلال أجازات نهاية الأسبوع، وأيضاً كوسيلة للاستمرار في التواصل مع أنشطة العمل الوظيفي بعد مغادرة المكاتب. وهذا بحسب تعبيره هو "لبّ المشكلة".

ويقول أفرام فرومسون، جراح العظام بكليفلاند كلينك، ساخراً: قد يكون من المرح مشاهدة بعض الناس يُحاولون تشغيل تلك المفاتيح الصغيرة جداً باستخدام تحريك الإبهام هنا وهناك على سطح لوحة الازرار، لكن إفراط استخدام أحد الأصابع دوماً يحمل مخاطر التسبب بالإصابات.

وأضاف أن "إبهام بلاك بيري" هو الأحدث بين سلسلة الأمراض ذات الصلة بالتقدم التكنولوجي، والتي تُصيب المتخصصين في استخدامها بمشاكل صحية، وهي تلك الإصابة الناجمة عن "تكرار إجهاد الاستخدام"، والتي تتسبب بالألم و/أو بالتخدير وفقد الإحساس في الإبهام ومفاصل اليد.

وتحصل كنتيجة لقضاء كثير من الوقت، ولبذل كثير من الجهد، في فحص و "تشييك" الرسائل ألالكترونية وكتابة الرسائل السريعة باستخدام شبكة الإنترنت من خلال أجهزة "بلاك بيري" وغيرها من "أجهزة المساعد الرقمي الشخصي اللاسلكية".

"بلاك بيري" والكومبيوتر
وهناك أمران يُميزان لوحة المفاتيح في الكومبيوتر عن اللوح الصغير لسطح أجهزة "بلاك بيري"، أو غيره من أجهزة الهاتف الجوال والمساعدات الرقمية الشخصية اللاسلكية.

الأول: سعة وكبر مساحة السطح الذي تتوزع فيه مفاتيح الأحرف والأرقام والعلامات في لوحة مفاتيح الكومبيوتر، ونسبة المساحة بالمقارنة مع "بلاك بيري" ومثيلاته تتجاوز عشرة أضعاف.

والثاني: الاستخدام السليم لمفاتيح لوحة الكومبيوتر، أو الآلات الكاتبة عموماً، يتم من خلال استخدام ثمانية أصابع كأساسيات في توزيع إجهاد وتكرار النقر على المفاتيح.

إضافة إلى ترك مهام أقل، شأناً وتكراراً في الاستخدام، للإبهام.

وتحديداً ذلك المفتاح المستطيل لطباعة مساحة من الفراغ space bar. أما في أجهزة الهاتف الجوال وأجهزة "بلاك بيري" فإن ألـ "كي بورد" يتطلب وفق تصميمه الصغير المساحة، بل لا يُتيح مطلقاً إلا، استخدام الإبهام.

وهو الأصبع الوحيد الذي يُمكن به النقر على تلك المفاتيح الصغيرة، وفي ذلك الحيز الصغير من المساحة.

وشرح الدكتور ألن هيدج، مدير مجموعة أبحاث العوامل البشرية والبيئية في جامعة كورنل بولاية نيويورك، بالقول، ومهما كانت سرعة استخدام الإبهام لكتابة الكثير من الرسائل فإن ذلك في نهاية الأمر يعني تكرار حركة الإبهام، وهو ما يعني أن ذلك سيتسبب بالمتاعب.

وأضاف قائلاً، ليس إصبع الإبهام، في اليد، من الأجزاء البارعة والحاذقة dexterous في أداء الحركات، مقارنة ببقية الأصابع.

واستطرد موضحاً نقطة مهمة، بالقول أن الإبهام مُصمم بالأصل كعامل تثبيت stabilizer لعملية "حلقة الإمساك بالأصابع" pinch gripping، ولذا نجد بأن لدينا إبهامان وليس ثمانية، لأن البارع والحاذق بالحركة في اليد، هي تلك الأصابع الثمانية الأخرى، وليس الإبهامان.

وتصميم الحجم الكبير للوح مفاتيح الكومبيوتر أخذ في الاعتبار هذه الحقائق عن قدرات مختلف أصابع اليد الواحدة، ويستخدم فيه الإنسان الأصابع البارعة في الحركة للنقر الخفيف على مفاتيح الحروف والأرقام والعلامات، وتُترك المهمة الأقل شأناً للإبهام كي يقوم بها من حين لأخر.

إبهام ولوحة مفاتيح صغيرة
وأعاد كريستن كراو، المتخصص في معالجة اليد بمستشفى رويال أووك في ميتشغن، التأكيد بأن استعمال أجهزة "بلاك بيري" وغيرها من أجهزة " بي دي إيه" قد يُسبب التهاباً في أوتار عضلات tendinitis الإبهام، وذلك نتيجة لاستخدام الإبهام بشكل متكرر وطويل في منطقة ذات مساحة صغيرة على سطح الجهاز.

وذكر بأن الإبهام لم يُهيأ في الأصل لفعل تلك الأشياء الدقيقة في ذلك الحيز المكاني الضيق، وأضاف بأن إبهام صغار السن من الشباب قادر على تحمل تكرار تلك النوعية من الإجهاد، بينما الأمر يختلف لدى منْ هم في الأربعينات أو الخمسينات.

وهو ما أكده ميللر بالقول، وبسبب أن لوحة التشغيل في أجهزة "بي دي إيه" ذات مساحة صغيرة، ولأن الإبهام هو أقل أجزء اليد براعة في أداء الحركات، فإن إرهاق الإبهام بفعل تلك الحركات على "لوحة مفاتيح جهاز "بلاك بيري" سيرفع بشكل عال من احتمالات إصابات الإجهاد.

ويتفق مع كل هذا كلام الدكتور بروسبر بينهام، جراح العظام والتجميل بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، بأن الاستخدام المُفرط للإبهام يُمكن أن يتسبب بإصابات فيه.

وأسهب موضحاً الأمر بالقول، إن أي شيء يستدعي تكرار الحركة يُمكن أن يُحفز ظهور أنواع مختلفة من الإصابات لدى الشخص، سواءً كانت التهاب أوتار العضلة أو إعادة النشاط المرضي لالتهابات سابقة في المفاصل underlying arthritis.

وهذه الحالات يُمكن أن تسوء، أو تنشأ لأول مرة، عند الإفراط في سوء الاستخدام، وفي حال تكرار استخدام الإبهام بسرعة على لوحة مفاتيح صغير جداً، فإن من الصعب تحقيق حرية للحركة.

ولذا فإن رد الفعل الطبيعي سيكون الضغط بقوة وشدة على مفاتيح أللوحة لمنع احتمالات الخطأ، وهو ما لا يحصل، أي ذلك الضغط بقوة، حال الكتابة باستخدام مفاتيح لوحة أكبر، مثل التي في الكومبيوتر.

وبالنتيجة، فإن الإبهام، حال استخدام لوحة مفاتيح لـ "بلاك بيري"، سيقوم بجهد أكبر من ذلك الجهد الذي تقوم به الأصابع الأخرى حال استخدامها للوحة مفاتيح الكومبيوتر.

مشكلة "إبهام بلاك بيري" مستترة
وبالرغم من تصريح كثير من المصادر الطبية بأن إصابات "إبهام بلاك بيري" غير شائعة إلى حد الظاهرة، إلا أنها في نفس الوقت تشير إلى أمرين يحملان في طياتهما العمق المُحتمل للمشكلة الصحية لهذا التكرار الشاذ في استخدام الإبهام وتبعات ذلك.

الأمر الأول: أن شيوع، وليس مجرد بدء، استخدام أجهزة الاتصالات ذات لوحات المفاتيح الصغيرة "ميني" آخذ في الزيادة.

ولئن كان باحثو كليفلاند كلينك بالولايات المتحدة يقولون في نشراتهم الحديثة، أن ثمة حوالي 3 ملايين مُستخدم لأجهزة "بلاك بيري" في الولايات المتحدة فقط، فإن أرقام الإنتاج العالمي لهذه النوعية من الأجهزة الصغيرة وغيرها من الهواتف الجوالة، تفوق هذا الرقم بكثير جداً.

وكانت إحصائيات أسترالية قد ذكرت هذا العام أن حوالي ثُلث الأطفال ما دون سن 12 يستخدمون هواتف جوالة، وغالبية الشباب هم كذلك.

وهناك توسع مُضطرد، وبوتيرة سريعة، نحو استخدام تلك الأجهزة الصغيرة بدلاً من الكومبيوتر، الشخصي أو الحضْني، في الرد على ألـ "إيميل" وانجاز كثير من التعاملات والتواصل بالرسائل وغيرها.

والأمر الثاني: أن كثيراً من المُصابين بدرجات خفيفة أو متوسطة من الخدَر والألم، أثناء كل من سكون الإبهام أو تحريكه، لا يُدركون أن السبب قد يكون نتيجة لاستخدامهم تلك الأجهزة "العزيزة" عليهم.

ولذا لا نزال نرى إمعاناً، بل وتفاخراً من قبل البعض بالقدرة في سرعة كتابة عدد يتجاوز 40 كلمة في الدقيقة، في استخدام كتابة الرد السريع والفوري على الرسائل المُستقبلة بتلك الأجهزة.

خطوات لتمارين سريعة لليد
كرر كل واحد من هذه التمارين عشر مرات يومياً:

1. قم ببسط معصميك، ثم اثن مفاصل أصابعك.

2. حافظ على استقامة مفاصل الأصابع والمعصم، ثم قم بثني ومد الأصابع.

3. ابدأ التدريب بفرد أصابعك نحو الخارج، ثم ضمها على هيئة قبضة، مع التأكد من أن كل مفصل للأصابع مثني إلى أقصى حد، وبعد ذلك قم ببسط أصابعك إلى أقصى حد ممكن.

4. المس أطراف أصابعك باستخدام الإبهام، كي تصنع دائرة، ثم قم ببسط يدك بشكل تام بعد لمس كل أصبع.

5. انثر قليلاً من بودرة الأطفال على سطح طاولة، ثم ضع كفك عليها، وبعد هذا قم بتحريك أصابعك بعيداً عن بعضها البعض ثم أعد ضمها جمعياً.

«إبهام بلاك بيري» .. أعراض وحلول
تشمل الأعراض المُحتملة لـ "إبهام بلاك بيري" الألم والتخدير في الإبهام، إضافة إلى الألم في الساعد.

والحلول المُقترحة للوقاية من التأثر باستخدام لوحة المفاتيح الصغيرة للهواتف الجوالة وغيرها من الأجهزة تعتمد على تخفيف استخدام الكتابة بها للرد الطويل على الرسائل، وإن كان لابد، فيكون بأقل عدد ممكن من الكلمات أو باستخدام الرسائل الجاهزة والمُعدة سلفاً، مع محاولة كتابة الردود الطويلة باستخدام لوحة مفاتيح الكومبيوتر.

والعناية باليد وأصابعها تتطلب، إضافة إلى عدم الإجهاد في الاستخدام، ممارسة تمارين لتنشيط العضلات والمفاصل وتقويتها.

وعند ظهور أي أعراض من الألم، فإن أول خطوة هي إعطاء راحة للإبهام عن الاستخدام في تلك النوعية من الكتابة أو تشغيل مفاتيح الهاتف الجوال، والاهتمام بمراجعة الطبيب للتأكد من معرفة سبب الألم، وإتباع توجيهاته.