واشنطن تخوض تنافسا غير متكافئ مع نيويورك ولوس أنجلوس .. في مجال الموضة

«واشنطن بوست» تنظر إلى الأزياء على أنها جزء من التوليفة الثقافية
«واشنطن بوست» تنظر إلى الأزياء على أنها جزء من التوليفة الثقافية

كان رد الفعل الشائع من الناس خارج العاصمة الأميركية واشنطن هو الاندهاش لأن جريدة «واشنطن بوست» – التي تتخذ من واشنطن مقرا لها – تأخذ تغطيتها للأزياء والموضة على محمل الجد.


وعلى كل، تعتبر مدينة نيويورك القلب النابض لصناعة الأزياء في الولايات المتحدة. وقد عانت واشنطن بفعل قربها من حي مانهاتن في نيويورك من مقارنات تتعلق بالأزياء والموضة.

وكما أن العاصمة الأميركية لم تحقق نجاحا كافيا أيضا عند مقارنتها بمدينة لوس أنجليس، حتى على الرغم من أنها منطقة للأزياء مشهورة جدا بسراويل الجينز غالية الثمن وذات السترات القطيفة.

وكانت هذه المقارنات تبدو دائما غير عادلة؛ حيث يوجد في مدينة نيويورك عدد كبير من خبراء وبيوت الأزياء العالمية. وإذا يولي هؤلاء الأفراد اهتماما خاصا بالتوجهات والأزياء فائقة الجودة، فمن سيقوم بذلك؟ وتعتبر الأفلام السينمائية، وهي المهنة المميزة لمدينة لوس أنجليس، وسيلة مرئية لعرض ذلك.

ولكن لدى واشنطن علاقتها الفريدة بصناعة الموضة، وعلى مدار الخمسة عشر عاما الماضية، شرفت بعمل تقارير عنها. ومع استعدادي الآن لترك جريدة «واشنطن بوست» والاتجاه لخوض مغامرة مليئة بالتحدي في مجلة «نيوزويك» وجريدة «ذا ديلي بيست» تذكرت كيف تشكلت شخصيتي إلى حد كبير وحصلت على طاقة بفعل الموضة داخل واشنطن التي كانت تتجاوز دائما الأزياء المجردة.

وفي مدينة تفيض بالفضول الفكري، يشعر السكان بالفتنة والإثارة بفعل هذه الصناعة التي تزيد استثماراتها على مليار دولار وتزدهر عبر فهم أعمق لخيالاتنا وشعورنا بعدم الأمان والتحيز.

وتتسرب الموضة إلى عقلنا الباطن وتؤثر على الطريقة التي نرى بها أنفسنا والأشخاص من حولنا. وحتى عندما نتظاهر بعدم الاهتمام بالملابس التي تعرض في الإعلانات البراقة، فإننا لا نزال ننزعج بعارضات الأزياء، لأنهن نحيفات جدا وشاحبات جدا وأصغر من اللازم.

لماذا لا يبتسمن؟ ولماذا يفتقرن إلى الرشاقة؟ ولماذا نهتم حتى بهن؟

ويعلم سكان واشنطن بشكل غريزي أنه بغض النظر عن عمق ازدواجيتهم بشأن مهنة تتاجر في الأشياء السطحية، فإن المظاهر السطحية تعتبر مهمة. ويعمل مظهرنا على تعريف الآخرين بنا. ويمكن أن يؤكد أيضا على نقطة مهمة أو يصرف النظر عنها.

وعملة واشنطن هي القوة، وتسهم الأزياء في جلب النظام إلى تركيبة القوة. وتوافر الملابس الإشارة الأولى عن كيف نرتبط ببعضنا؟ وكيف يجب التعامل معنا على محمل الجد؟ ويمكن أن يرتدي الرجال سترة معدة خصيصا لهم أو يتمردون على هذا النوع من التقليدية بـ«تي شيرتات» أو سروال مجعد من الجينز. وتكمن القوة الآن في امرأة ترتدي ثوبا ضيقا مصقولا، وليس بدلة بالية وزوجا من الأحذية الخفيفة العادية.

وعندما وصلت للعمل في جريدة «واشنطن بوست»، كانت لدي فلسفة بسيطة، وهي أن «الموضة لا توجد في فراغ». ونحن نستخدم الموضة للانتقال في العالم بشكل يومي ومن أجل التواصل وتعريف أنفسنا. وتعمل توجهات الموضة كعلامات إرشادية وتقدم قرائن للتغييرات الحادثة في ثقافتنا. ويخبرنا العارضون – الرجال والنساء – كيف نعرف الجمال؟ إنهم يخبروننا شيئا عن أنواع البشر الذين نحترمهم ونقدرهم.

وشجعت جريدة «واشنطن بوست» على تقديم رؤية واسعة عما يعتبر موضوعا للموضة. وعزز هذا من اعتقادي بأن الموضة تبدو في أروع أشكالها عندما ينظر إليها من خلال خزانات الثياب اليومية للشخصيات العامة والأميركيين العاديين.

وفي محادثتي الأولى مع ليونارد دواني، رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «واشنطن بوست» في ذلك الحين، تحدثنا عن الكثير من أشكال الموضة في هذه المدينة، حيث تكلمنا عن أعضاء جماعات الضغط في شارع «كي ستريت» وبدلاتهم الفاخرة، كما تحدثنا عن ساسة «كابيتول هيل» الذين يهتمون جدا بانتشار ياقات قميصهم، بالإضافة إلى حشود الطلاب الجامعيين الذين ينغمسون في تطبيق التقاليع الجديدة، وما إلى ذلك.

ومنذ أيامي الأولى في قسم الأزياء والموضة - حيث تنافست قصصي الإخبارية من أجل الحصول على مساحة مع القصص الإخبارية التي تتناول السياسة والأفلام والتلفزيون والموسيقى والكتب – علمت بسرعة أن هذه الصحيفة كانت تنظر إلى الأزياء على أنها جزء من التوليفة الثقافية الرائعة. ولم تكن الأزياء منفصلة أو شاذة أو استثنائية، ولكنها كانت ببساطة، جزءا من حياتنا وهويتنا.

وعندما بدأت مع محررة الأزياء الراحلة العظيمة نينا هايد، كانت جريدة «واشنطن بوست» تتفهم دائما أهمية الملابس في حياتنا. وغطت هايد الأزياء والموضة من منطلق أنها محاولات تجارية وإبداعية في الوقت نفسه. واعترفت بتأثير الأزياء في حياتنا، واستمتعت بانغماسها داخل حياتنا بصورة غير محددة.

وسارت كاتي هورين على نهج هايد، وجلبت معها دقتها في التفكير وإدراكها لأدق التفاصيل إلى العمل. وعندما وصلت للعمل في الجريدة، وأنا حديثة العهد بها من قبلة الأزياء التي تعرف بمدينة «ديترويت»، كان أكبر المتحمسين للأزياء في المدينة يرحبون بي، وكانوا يتعاملون بلطف وكرم معي وقدموا لي نصائحهم الجيدة. ومنحوني أفضل هديتين قيمتين يمكن أن يطلبهما أي صحافي، وهما فائدة الشك والرد على المكالمات الهاتفية.

وبفضل الدعم الذي حصلت عليه من جريدة «واشنطن بوست» والفوائد التي جنيتها من القراءة الفضولية والذكية، تمكنت من تسجيل وقائع التغييرات الكبيرة في قطاع الأزياء مع تحولها من سلسلة أعمال عائلية إلى شبكة من الشركات الدولية.

وشاهدت الذكاء التجاري الرائع لرجال من أمثال دومينيكو دي سول وبيرنار أرنول، بالإضافة إلى الجرأة المبتكرة لمارك جاكوبس وتوم فورد وري كاواكوبو وألكسندر ماكوين، على سبيل المثال لا الحصر. ومحليا، تمكنت من نشر مواضيع عن تجار التجزئة الأقوياء مثل عائلة ماركس التي بقيت متاجر «ساكس جانديل» التابعة لها نابضة بالحياة مع تعثر مشاريع الأزياء والموضة التجارية التي تمتلكها عائلات أخرى.

وقد تمتعت بميزة تسجيل الأزياء العامة للكثير من الرجال والنساء العظماء مثل فيرنون جوردان وباولا جونز ومادلين أولبرايت وكوندوليزا رايس وعدد كبير من السياسيين الآخرين. وقد كتبت تحقيقات وعلقت على خزانات أزياء زوجات رؤساء الولايات المتحدة مثل هيلاري كلينتون ولورا بوش وميشيل أوباما مؤخرا.

وتتحدث اختياراتهن لفساتين حفلات التنصيب والبدلات والفساتين طويلة الكم بشكل كبير عن طريقة تطور أنوثتهن وسلطاتهن ودورهن البارز في الولايات المتحدة، كما تتحدث أناقتهن عن قصة الأدوار المتغيرة للنوع كما يمكن أن يحكي أي خطاب سياسي بليغ.

وقد تأكدت أيضا من شيء كنت أشك فيه لفترة طويلة، وهو أنه بينما تقدم أزياء النساء تشكيلة متنوعة جدا، فإنها تقدم أكبر مادة مغذية للنقد، فإن الرجال يبدون أكثر حساسية للرسائل التي تنقلها ملابسهم. ويميل الرجال بسرعة إلى كتابة الخطابات وإرسال رسائل انفعالية عندما يعتقدون أن رسائلهم قد أسيء فهمها.

ومع استعدادي للرحيل عن جريدة «واشنطن بوست»، فإنني أتقدم بخالص شكري وامتناني للقراء والأشخاص الذين عبروا عن تقديرهم لي، بالإضافة إلى الأشخاص الذين أرسلوا شكاوى لي.. ولكنهم استمروا في قراءة كتاباتي على الرغم من غضبهم وسخطهم وأنا مدينة لزملائي على نصائحهم واتصالاتهم والنماذج المثيرة التي قدموها كل يوم عن أفضل الأشياء التي يمكن أن تقدمها الصحافة. وقد كنت أتوق دائما للوصول إلى مستوياتهم العالية.

وعلى وجه الخصوص، أتقدم لهذه الجريدة بخالص الشكر على إيمانها الراسخ بأن الأزياء يمكن أن تفتح نافذة على هويتنا، ولرؤيتها بأنه في ظل وجود الملابس الرخيصة وبيوت الأزياء المختلفة، تمثل الأزياء والموضة عملين يرتبطان بالسياسة والدين وعلم الاجتماع والحياة في نهاية الأمر.