المعجنات الإيطالية .. البعض يؤكد أن أصلها عربي

من قال إن المعكرونة (المعجنات) الايطالية جاء بها الرحالة الايطالي ماركو بولو من الصين في القرن الثالث عشر الميلادي ؟ الحقيقة أن العرب أدخلوها الى ايطاليا حين إقامتهم فيها لمدة 250 سنة في جزيرة صقلية منذ القرن التاسع مستخدمين سميد (أو لباب) القمح القاسي والماء لتحضيرها، وكذلك أطلعوا الناس على مبادئ صنع المثلجات (الجيلاتي) حين خلطوا الثلج من الجبال بعصير الفواكه وأسموها «شربات» فغدت في اللغة الايطالية «سوربيتو».


كانت الأعشاب الجنسية وبعض الأطعمة التي يصنفونها الآن «افروديسية» (من أفروديت إلهة الأغريق للحب أي فينوس عند الرومان) معروفة لأهالي الجزيرة ذات الطابع اليوناني والعربي مثل الريحان والمحار والفلفل الأحمر الحار وأضاف العرب الرمان والفستق والتمر، لذا كان التعريف بالمعجنات في باليرمو عاصمة صقلية نقلة مهمة في تاريخ الطعام وتذوقه فأطلق عليها السكان المحليون كلمة معكرونة التي تعني باللغة الصقلية «العجن بقوة» لأن طريقة تحضير الباستا (أو باستاشوتا) في تلك الحقبة كانت تتطلب جهدا كبيرا يستغرق يوما كاملا، وما زالت وصفات السباغيتي في المطبخ الصقلي تحتفظ حتى اليوم ببعض المواد التي أدخلها العرب الى الوجبات مثل اضافة الزبيب وبضعة أنواع من البهارات كالقرفة والشمر مثلا، لذا فإن وصفة السباغيتي المعاصرة مع سمك السردين الطازج تحتوي على تلك المواد بالاضافة الى حبات الصنوبر وكسرات الخبز الجاف والشمر.

240 نوعاً: الايطاليون يحبون الطعام ويفضلون المعجنات على أي صنف آخر، فهي الطبق اليومي المفضل لديهم وقد طوروا أصنافها بشكل مذهل خلال القرون الماضية فأصبح لديهم الآن 240 نوعا على الأقل من الباستا المعترف بها في المطاعم وكتب الطهي عدا عن الابداع المنزلي لربات البيوت، وأطلقوا على كل منها اسما يتناسب مع شكلها فهناك شعر الملائكة (كابيليني دانجلو) والمعجنات المثقوبة (بوكاتيني) والأجراس الصغيرة (كامبانيلله) والكشتبان (ديتاليني) والفراشة (فارفاليه) والشرائط الصغيرة (فتوتشيني) والمعجنات المفتولة (فوسيلي) والأنبوب الفارغ (ماكاروني) وكم الخوري (مانيكا دي فراته) والآذان الصغيرة (اوريكيته) والمكوك الأجوف (بينه) والجراد (كافاليتي) والصدف (كونكيليه) والصحون الطائرة (ديسكي فولانتي) والصرة المحزومة (فاغوتيني) والعرايس (زيتي).

بالطبع نسينا رافيولي وريغاتوني ولازانيا وكانيلوني وتورتيليني وبابارديليه وفتوتشيني وأشهر نوع للمعكرونة الطويلة الرفيعة مثل الانبوب العازل التي يسمونها السباغيتي، واللائحة طويلة فعلا..

لكل منطقة أو اقليم معجناته المفضلة وبعض الأطباق لها أسماء طريفة فهناك المكوك الغاضب نظرا لاضافة الفلفل الاحمر الحار والسباغيتي عازفة القيثارة والباستا نصف كم واللعبة المهذبة (بامبوليتي) واقفل فم زوجتك الثرثارة بمعنى أطعمها (أزيتامولييه)، ويقول بليغرينو ارتوزي مؤلف أهم كتاب عن الطبخ الايطالي «إن ايطاليا توحدت غذائيا قبل أن تتوحد سياسيا» لكن الفوضى ما زالت تكتنف أسماء وأشكال الباستا كما أن أحجامها تبدلت مع الزمن فقسم منها أصبح أكثر سمكا بينما القسم الآخر غدا أصغر حجما وكانت الشطارة في الماضي تعني العجين الأكثر رقة في حين ان تصنيع الباستا هذه الأيام لا يراعي هذا المقياس.

حدثت الثورة الفعلية عام 1878 بعد الوحدة الايطالية بثماني سنوات حين دخلت الى السوق آلة ميكانيكية استعاضت وظيفة خمسة عمال وقام اهم معمل لصناعة الباستا في مدينة امبيريا بشمال غربي البلاد يسمى «انييزي» بتسريح عدد من عماله لكن مبيعاته ازدادت بسبب إقبال الناس على شراء الباستا الجاهزة بدلا من تحضيرها في المنازل بشكل يدوي، وقام معمل باريلا المعروف بإصدار قائمة بمختلف أنواع الباستا التي يبيعها عام 1916 فجرى تقسيم أنواع الباستا إلى ثلاث فئات رئيسية حسب المناطق الجغرافية فهناك باستا نابولي من الجنوب وباستا بولونيا من الوسط وباستا جنوى من الشمال، كما بدأت الحكومات المتعاقبة فرض التسعيرة الرسمية على ثلاثة منتجات أساسية وهي الخبز والحليب والمعجنات.

يعرف كل طاه ايطالي أن للباستا نوعين: الطازج الذي يصنع في البيت أو يباع في دكاكين مختصة بهذا الانتاج والناشف الذي يمكن استهلاكه خلال عام ويباع في المحلات التجارية والسوبر ماركت، كما أن الباستا تصنع من الدقيق الممزوج بالماء وبعضها يضاف إليه البيض، ويتطلب تحضير كافة الأنواع غليها بالماء مع قليل من الملح لعدة دقائق قد تصل أحيانا الى 14 دقيقة وهناك أنواع كثيرة للباستا بالفرن مثل اللازانيا. لو بحثنا عن أصل كل نوع من الباستا لاكتشفنا بعض الطرائف فمثلا تمت تسمية نوع كم الخوري في القرن الخامس عشر لشبه شكلها برداء الراهب الفضفاض والكم الواسع الذي يغطي يده.

قالت لي العجوز فيكتوريا فابريانو (90 سنة) من إحدى القرى القريبة من روما المسماة فراسكاتي حول الأكل البيتي القروي ان والدتها علمتها اصول نوع مبتكر من المعجنات لا يباع في الاسواق يمكن استعماله لفطام الاطفال الصغار وتحويل أكلهم من الحساء الذي يحتوي على قطع من الباستا المسطحة الى باستا تؤكل بشوكة الطعام، وهي عبارة عن كرة صغيرة من العجين تغمس بالبيض وتضاف إليها صلصة من اللحم والطماطم (البندورة) والبصل ويكمن سر الصنعة في رش كمية من الدقيق على سطح طاولة التحضير وخلط الكرة بسرعة مع البيض المخفوق الجاهز لتصبح الكرة مثل الكتلة المدورة التي يرغبها الطفل، أما في شمال ايطاليا فيصنعون نوعا من الباستا يسمى «الخاتم الهلالي» ويختلف حجم الخاتم وشكل الهلال حسب كل قرية بشكل يمكنك من التمييز بين الخواتم وأسماء القرى صاحبة المنشأ مثل غطاء الرأس أو لون الثوب.

وفي مقاطعة بيمونته في الشمال الغربي وعاصمتها تورينو كانوا يحضرون ما يسمى «انيولوتو» بشكل وسادة محشوة بنخاع الغنم ثم تحول الشكل الى وسادة مربعة تحشى الآن باللحم المفروم أو السبانخ وجبن الريكوتا وتسمى «رافيولي»، أراغوستا أم ريغاتوني: قدم المخرج السينمائي الكبير فيديريكو فيليني قبل وفاته بسنوات اعلانا لشركة باريلا للمعجنات شاهده الملايين على شاشات التلفزيون الايطالي نرى فيه سيدة جميلة أنيقة تذهب مع خطيبها لتناول العشاء في مطعم فخم ويشرح لها النادل الفخور أسماء الوجبات الفرنسية الفاخرة من البطة بالبرتقال الى لحم الفيليه غوردون بلو الى كركند البحر ويتصنع اللفظ الفرنسي للكلمة قائلا: لانغوست (بدل أراغوستا بالايطالية) فتجيبه الحسناء بكل تكبر وتفوق: عندكم ريغاتوني؟ ويختتم الاعلان بمشهد النادل المصعوق لهذا «الطلب الشعبي».

نوع الريغاتوني محبب للجميع في ايطاليا الموحدة منذ ما يربو على مائة وخمسين عاما وسبب شعبيته أنه قصير واسطواني الشكل بطول 4.5 سنتيمتر وعرض 1.2 ومصنوع من السميد ثم قامت الشركة بتخطيطه بالمسطرة وخرمشته لأن الآلات تصنعه عادة بشكل أملس لذا أصبح يمتص الصلصة ويتشربها تماما حين التقديم مثلما كانت وصفة الجدات.

بدأت اضافة الطماطم الى الريغاتوني وغيره من أصناف الباستا لأول مرة عام 1839 بعد وصول الطماطم الى اوروبا من اميركا اللاتينية، لكن الناس أحجموا عن استعمالها في الطهي بداية خوفا مما كان يشاع عن الاصابة بالتسمم ثم توسع استخدام الطماطم بشكل كبير فيما بعد خاصة في جنوب ايطاليا من نابولي الى جزيرة صقلية مرورا بكالابريا (التي كانوا يطلقون عليها على سبيل الدعابة: أرابيا أي العربية) وأصبحت المعجنات والمعكرونة جزءا لا يتجزأ من الغذاء اليومي لأهالي الجنوب، لأن القمح القاسي المطلوب لصنع الباستا الجيدة يزرع في تلك المناطق.

ويقدر الاستهلاك السنوي للمواطن الايطالي من الباستا حاليا بأكثر من 30 كيلوغراما مما يجعله على رأس قائمة المستهلكين في العالم، ولم يعد الانتاج المحلي كافيا لتلبية الطلب فتحولت ايطاليا الى الاستيراد وتبدو سورية على رأس قائمة مصدري القمح القاسي الى ايطاليا، ورغم أن الباستا تصنع في كافة أرجاء العالم إلا أن الانتاج الايطالي يتفوق على الجميع لاستمرار الأبحاث المتقدمة حول أحسن طرق الانتاج والتصنيع وإذا تذوقت الباستا الايطالية من نوع «دي تشيكو» فستدرك الفرق في النوعية على الفور، لكن لا تنس السر الايطالي الذي يكمن في عدم طهيها جيدا لكي تستمتع بطعمها اللذيذ. ونصيحتي أن تنقص دقيقة واحدة من مدة الطهي المسطرة على غلاف المحتويات ولا تنس أن تضيف قليلا من الملح الى الماء المغلي لأن الباستا الجاهزة الناشفة تحتوي على القليل جدا من الملح (نسبة 3 ليترات ماء مع ملعقة شاي من الملح أو 6 غرامات ملح لكل لتر) ولا تصف كل السائل النشوي عند تصفية الباستا المطهية، بل احتفظ بكوب منه لعلك تستعمل قسما منه لتذويبه مع الصلصة كي تضفي نوعا من القوام والكثافة للمزيج.

شهرة المطبخ الايطالي طبقت الآفاق فنجد المطاعم الايطالية في كافة البلدان لكن الطعم الحقيقي لن تجده إلا في ايطاليا نفسها، لأن الكثيرين في الخارج يختارون الحيل السريعة أو المكونات غير الطازجة أو النوعية الرديئة للمعجنات.

الأكل الايطالي بسيط ولذيذ لكن الشرط الأول لنجاحه هو استعمال المكونات الموسمية الطازجة وعدم المبالغة في استعمال أي من المكونات أو الصلصات وإضافة جبن البارميزان (بارميجانو ريجانو) ما عدا الباستا بالمآكل البحرية، وأكثر أنواع الباستا شعبية في ايطاليا لا يدخل اللحم في مكوناتها فهي تقتصر على السباغيتي مع صلصة الطماطم بقليل من الثوم وتزين بورق الحبق أو الريحان الأخضر، واذا لم تصدق هذا الكلام عليك بزيارة ايطاليا بنفسك واذا لم يعجبك أي من أطباق المطبخ الايطالي فأنا واثق أنك ستستمتع بالباستا وربما ستصبح مدمنا عليها مثل الايطاليين.

وصفات ايطالية أصيلة غير تقليدية من المطاعم الشهيرة
تالياتيللي بالقريدس والهليون
الباستا من نوع تالياتيللي تأتي من مدينة بولونيا التي يحج اليها ذواقة الطعام وهي طويلة ومسطحة ويضاف الى عجينتها البيض وسمكها لا يتجاوز المليمتر الواحد.

المقادير لـ 6 اشخاص:
400 غرام تالياتيللي - كيلو قريدس (جمبري أو روبيان) – كيلو هليون –كوب من مرق الخضر – 2 فص ثوم – 30 غرام زيت زيتون – ملح وفلفل.

طريقة التحضير:
اسلق الهليون ثم قطعه الى قطع صغيرة. اخلط ساق أو ذنب الهليون بالخلاط مع مرق الخضار لتحصل على صلصة لزجة. إقل الثوم وأضف القريدس المقشر واتركهما لمدة دقيقتين ثم أضف المرق المخلوط مع الملح والفلفل الاسود وتابع الطبخ لمدة 5 دقائق.

اغل الباستا في الماء مع قليل من الملح وصفيها بمصفاة قبل الوقت اللازم بدقيقتين مع الاحتفاظ بالقليل من مائها المغلي ثم امزجها في المقلاة مع القريدس والصلصة وقليل من ماء الباستا المغلي لمدة دقيقة وقدمها حارة للأكل بعد أن ترش قليلا من الفلفل على وجهها.

سباغيتي بصلصة جبن الغنم والفلفل السباغيتي لها عدة أنواع فمنها الرفيع (سباغيتيني) أو العريض (سباغيتوني) لكن السباغيتي الكلاسيكية المعروفة طويلة بطول 25 سنتيمترا وعرض 1.7 مليمتر وتصنع من السميد ولها وصفات متعددة في كل أقاليم ايطاليا.

المقادير:
500 غرام سباغيتي – 250 غرام جبن غنم مجفف بشكل جزئي (بيكورينو) – ملعقة شاي من الفلفل الاسود الخشن – 3 حبات طماطم – مغرفة أو كبشة من ماء الباستا المغلي.

طريقة التحضير:
اهرس الجبن مع الفلفل واضف اليه قليلا من ماء الباستا ليذوب المزيج ويصبح مثل الكريمة. اسحب السباغيتي بعد القائها في الماء المغلي قبل النضوج الكامل وضعها في المزيج ثم أضف قطع الطماطم الطازجة المقطعة الى أجزاء وقدمها في صحن فخاري إن أمكن.