توم فورد .. مصمم أزياء صنع نفسه بنفسه

توم فورد اسم تردد كثيرا في العام الماضي، محلاته لا تستقبل إلا الأثرياء وأزياؤه لا تخاطب سوى المتميزين، ربما البعض سمع اسمه لاول مرة ولكن أغلبية المهتمين بالموضة يعرفون انه المصمم الذي أعاد الحياة لدار «غوتشي» وحلق بها لعدة سنوات.


فالمصمم العالمي الذي ولد في مدينة اوستن الأميركية عام 1962 اكتسب شهرته في التسعينات بعد ان وضع لمساته السحرية ورفع دار غوتشي الى مستوى عال في مجال الموضة وتصميم الازياء بعد ان كانت تمر بمرحلة كادت ان تؤدي بها إلى هاوية الإفلاس.

في العام الماضي اثار ضجة من نوع جديد سببها قرار عودته لتصميم الأزياء الرجالية ذات الخياطة الرفيعة.

درس توم فورد في اول حياته تاريخ الفنون ومن ثم توجه نحو العمارة قبل ان يتخصص في تصميم الأزياء بكلية بارسونز النيويوركية. دخل عالم غوتشي في عام 1990 كمصمم للملابس النسائية عندما كانت الشركة وقتها تمر بمرحلة حرجة، إذ كانت تصميماتها تقليدية ولا تناسب جميع الاذواق، لكن الأمر تغير بعد ان التحق بها توم فورد. فقد استطاع ان يذهل الجميع بأسلوبه الانثوي المتميز، وكانت النتيجة تعيينه في عام 1994 مسؤولا عن تصميم جميع خطوط الأزياء بالشركة.

بدأ عندها باستخدام خبرته في مجال العمارة والتصميم الداخلي لتزيين ديكورات جميع محلات غوتشي العالمية لتكتسب شكلا موحدا، بدءا من الرخام الذي يلمع في ارضيات المتاجر، إلى نوعية الأقمشة المستخدمة في الفرش الداخلي مرورا بألوان الجدران ورائحة العطر التي تنتشر في الهواء، والحقائب التي يحملها المشتري، كل ذلك كان ضمن حسابات المصمم.

وشيئا فشيئا، زاد الإقبال وارتفعت ارباح الشركة لتصل قيمتها السوقية الى اكثر من 4 مليارات دولار في اقل من 10 سنوات، واشترت غوتشي حينها حصة في دار «ايف سان لوران» الفرنسية وعين توم فورد ايضا مسؤولا عنها، وكما ارتفعت اسهم غوتشي في الأسواق المالية ارتفعت معها اسهم مصممها. لكنه وصف حينها بالغرور وكانت تلك هي بداية النهاية. ففي عام 2004 ترك توم فورد منصبه الكبير و صرح بتوجهه الى انتاج الأفلام السينمائية، إلا انه لم ينكر ان العلاقة مع مجموعة «غوتشي» توترت إلى حد كبير، وأنه لم يعد بالإمكان الاستمرار.

لم يجد توم فورد سعادته في الانتاج وبدا، بعيدا عن عالم الموضة، مثل السمكة خارج الماء. وهكذا أسس في عام 2005 شركة خاصة للأزياء تحمل اسمه، و كانت أول مشاريعة اطلاق تشكيلة من النظارات الشمسية لكلا الجنسين في عام 2006، ورافق ذلك اطلاق حملة دعائية كبيرة وظف فيها كل إمكانياته و استخدم فيها مواد جنسية لفتت اليها الأنتباه.

وفي نفس العام، تعاقد مع شركة «ايستي لودر» لمستحضرات التجميل ليقدم اول عطر نسائي يحمل اسم Black Orchid الذي اعتبره الاساس لباقي العطور التي قدمها بعد ذلك. وعندما قرر العودة لتصميم الأزياء اختار الجانب الرجالي، محطما بذلك امال كل السيدات اللاتي كن بانتظار تصاميمه من جديد. في بداية العام الماضي، افتتح اول متجر خاص به في العالم واختار مدينة نيويورك لاضافة ذلك المتجر لمحتوياتها، اراد عبره ان يقدم نقلة نوعية في طريقة تصميم الملابس الرجالية وان يكون متجره مكانا لبيع كل ما قد يحتاجه الرجل الذي يبحث عن الجودة. فالمحل المكون من طابقين لا يمكن مقارنته بأي محل آخر، ليس فقط لما يضمه من قطع تترجم مفهوم المصمم للأناقة وإنما أيضا لتصاميمه الداخلية التي اشرف عليها بنفسه كعادته.

حتى في ساعات الدوام اراد توم فورد ان يكون مختلفا عن ما جرت عليه العادة في شارع ماديسون الذي يتجمع فيه اشهر المصممين العالميين، فالمتجر يفتح ابوابه من الساعة الثامنة صباحا الى الحادية عشرة ظهرا للزبائن الذين لديهم موعد مسبق، وبعد ذلك يفتح ليستقبل اصحاب الذوق الرفيع الذين يريدون اقتناء احد تصميماته قبل ان يستقبل مرة اخرى اصحاب المواعيد في المساء. الهدف من اخذ موعد، إتاحة الوقت للرجل لكي يتمكن من تفصيل بدلته في جو هادئ يتمتع فيه بالخصوصية والعناية الكاملة من قبل الخياطين المتخصصين.

اراد فورد ان يخلق الاحساس بانك تدخل الى منزله الشخصي او بالاحرى الى مملكته، فأضاف قطع أثاث أخذها من منزله في العاصمة البريطانية لندن ليكمل بها ذلك الاحساس. وهكذا يستقبلك عند الدخول الفنان الايطالي لوتشيو فونتانا بأحد اعماله الفنية والتي تقدر بملايين الدولارات، وتحت تلك اللوحة التي يتمنى العاملون في دار سوذبيز او كريستيز للمزادات ان يحصلوا عليها وضع طاولة صنعت من جلد التمساح مزينة بالذهب الخالص.

ولكن هذه هي مجرد البداية فلك ان تتخيل ما سوف يقدمه السيد فورد بعد ذلك. تجد في الطابق الأرضي خمس غرف منفصلة، تلبي كل واحدة منها احتياجات الرجل المختلفة، وفي الطابق العلوي توجد غرفتان مخصصتان لتفصيل البدلات. قد يخطر ببالك انه ليس هناك ما يحتاجه الرجل لكي يملأ كل تلك المساحة، ولكن الواقع هو غير ذلك. ملابس، احذية، نظارات، عطور، جلديات وحتى المجوهرات تجدها متوفرة.

غرفة مخصصة للبدلات الجاهزة، منها ما هو للنهار وما هو للمساء تميزها تطريزات تلمع على اطرافها. وحتى هواة الصيد كانوا في حسبان المصمم، فقام بتصميم بدلات مخصصة لتسهل حركتهم عند رفع البندقية. عند دخولك للغرفة الثانية، ستطلع على باقي تصميمات المصمم لفصل الشتاء الحالي، حيث استخدم الكاشمير بألوانه المختلفة وهذا كفيل لأن يقع عملاؤه في غرامها من النظرة الاولى، عدا عن تلك الكنزة ذات اللون الليلكي، التي تلفت انتباه الجميع خلال ليالي الشتاء، وذلك البنطلون المقلم بالأسود والأبيض، العلامة التي تميز تلك التشكيلة، اما الوشاح المصنوع من اخف انواع الكشمير والحرير، فقد جعل النساء ايضا يقبلن عليه لما يوفره من نعومة واناقة.

حاليا يمتلك المصمم عطرين للسيدات واثنين آخرين للرجل و12 عطرا بروائح مختلفة لكليهما، كلها تأتي في زجاجات سوداء صغيرة مصنوعة من الكريستال. رائحة العنبر، الفانيليا، او الياسمين تعتبر كلها نكهات أساسية يقدمها اشهر صناع الروائح، ولكن سيسحرك عطر تحتوي مكوناته على رائحة الجلد او التبغ، وهذا امر لا يستطيع ان يفعله أحد الا توم فورد وقد خصص غرفة لذلك في نيويورك.

غرفة الأحذية والحقائب والإكسسوارات، فيها المنتجات التي استخدم في صناعتها جلد التمساح، هنا واقع لا شك فيه، ولكن النظارة الشمسية المصنوعة من الخشب والذهب الوردي، فستجعلك، بلا شك، تقف عاجزا عن التعبير. رفوف عديدة تملأ الغرفة الأخيرة، تلك مقسمة عرضيا على حسب مقاس رقبة القميص، وطوليا على حسب شكل ياقة القميص التي تختلف من واحد الى الآخر لتلبي مختلف الأذواق والاحتياجات. قد يخطر ببال الشخص ان تقسيم المتجر الى غرف مختلفة سوف يجعل مهمة التسوق اسهل، ولكن ما يصعب مقاومته هو اغراءات تلك التصاميم التي تملأ هذه الغرف.

في احد المؤتمرات التي كان توم فورد مشاركا فيها أخيرا، وقف مرتديا بدلته الرمادية المكونة من ثلاث قطع، وقال "صناعة الفخامة لن تخرج عن اطار الموضة ولكنها سوف تحتاج الى تغيير موضتها"، مبتدئا بعدها حديثه عن خطته لفعل ذلك. ففي هذا العام سوف يغادر اميركا ليوسع امبراطوريته خارجها وسيتوجه الى المدينة التي احتضنته لسنوات عديدة، ألا وهي ميلانو.

اختياره للمدينة الايطالية قد يكون تعبيرا عن امتنانه لها لدورها في وصوله الى ما هو عليه اليوم من خبرة وشهرة، ومن يعتقد بأن متجر نيويورك كبير بحد ذاته فعليه ان ينتظر ليرى متجر عاصمة الموضة الأيطالية والمكون من خمسة طوابق و الذي سوف يفتتح في شهر يونيو المقبل.

و خلال شهر فبراير الحالي سيفتتح اول متاجر توم فورد بالقارة الأوروبية في مدينة زيورخ السويسرية و ذلك قبل ان يوفر تشكيلته للمتسوقين في متجر هارودز في العاصمة البريطانية في شهر مايو المقبل. سانت موريتز على جبال الألب، لوس انجليس التي يحبها، هاواي التي يمضي بها عطلته و هونغ كونغ التي يرى المستقبل فيها، كلهم مدن موجودة على خارطة المشروع الذي يخطط له المصمم. فهو يريد ان يمتلك 100 فرع بمنتجاته، خلال الاعوام العشرة المقبلة، وفي بداية هذا المشوار سوف يكون لمنطقة الشرق الأوسط نصيب منها.

فخلال الشهور القليلة المقبلة سوف يفتتح متجره الاول عند زيارته لدولة الكويت، حيث تعاقد مع الشيخ ماجد الصباح مالك متاجر فيلا مودا ليقدم تصاميمه لعشاق الموضة هناك، وبهذه المناسبة سوف يطلقان كمية محدودة من الثوب الخليجي الذي سيقوم هو بتصميمه بمساعدة ماجد الصباح. فالأثواب التي سوف تتوفر في اربعة أقمشة مختلفة ستحافظ على طبيعتها التقليدية ولكن الجيب العلوي منها سوف يحمل الحرفين الأولين لاسم المصمم ليعطي مرتديه التميز.

وذلك لن يكون مفاجأتهم الوحيدة ولكنها مجرد الأولى فبعد ذلك سوف يقدم تشكيلة عطور تحمل اسماء عواصم خليجية تعكس روائحها التراث العربي الأصيل لكل من تلك العواصم. توم فورد وضع لنفسه خطة عمل خلصته من الوقوع في المشاكل واختلاف وجهات الرأي مع ادارة الشركة التي قد يعمل بها كمصمم، حتى يتجنب ما وقع مع دار غوتشي، فهو اليوم يملك شركته الخاصة، حيث هو صاحب القرار الاول والأخير.

ويبقى السؤال، هل ستتغير الخياطة الرجالية الرفيعة بسببه؟ هل ستستمر امبراطوريته كما يريد؟ هل هناك مفاجآت اخرى سيقدمها لزبائنه المقتدرين فقط؟ اسئلة كثيرة تدور في بال المهتمين بالموضة وصناعتها ولكن ليس لهم غير الانتظار لمعرفة الأجوبة.