تاج الليدي ماونتباتن يعرض في متحف «ألبرت وفكتوريا»

كانت مناسبة غير معهودة تلك التي دعا إليها السفير البريطاني في باريس، بيتر ويستماكوت، في مقر سفارته التي تشغل، منذ أوائل القرن التاسع عشر، قصراً في شارع سانت هونوريه الفخم. ففي هذا المبنى الذي كان مسكناً للأميرة بولين بونابرت، شقيقة الإمبراطور نابليون، شاهد المدعوون قطعة فذّة من المجوهرات القديمة، على هيئة تاج من الأحجار النفيسة الملونة، تحمل توقيع الصائغ الفرنسي الشهير كارتييه.


وإذا كانت مجوهرات الزينة تستمد قيمتها من مهارة صائغها ومن الحجر الكريم الذي يرصعها، فإن القيمة تتضاعف مع شخصية السيدة التي تتزين بها. ومن هنا يمكن القول إن القيمة المعنوية والتاريخية لهذا التاج لا تقل عن قيمته المادية لأن صاحبته كانت السيدة إدفينا، قرينة اللورد ماونتباتن، قريب ملكة بريطانيا وحاكم الهند السابق.

لكن هذا الوصف لا يكتمل إذا لم نضف إليه أن الليدي ماونتباتن كانت الحب المستحيل للزعيم الهندي الراحل جواهر لال نهرو. وتلك قصة تروى.

أما عرض التاج في سفارة بريطانيا، فلأنه الحلية التي ستخطف الأبصار من بين 3500 قطعة في القسم الجديد للمجوهرات الملكية الذي يفتتح السبت المقبل في متحف «ألبرت وفكتوريا» في لندن، بعد أربع سنوات من الترميمات التي جمعت الصالات الثلاث السابقة في صالة كبيرة واحدة.

وبلغت كلفة أعمال التصليح سبعة ملايين جنيه استرليني. وبذل الزوجان الثريان وليم وجوديث بولينغر جهداً للمساعدة في حيازة المتحف لتاج الليدي ماونتباتن.

وكان جاك كارتييه، صانع المجوهرات، المعتمد لدى البلاط الملكي البريطاني، قد انتقى الأحجار الكريمة عندما كان في زيارة لدلهي عام 1911. ولما عاد الى مشغله الذي سبق أن فتحه في لندن قبل ذلك ببضع سنوات، قام بتركيب الأحجار فوق هيكل دائري مبتكر ووفق تصميم يناسب ذوق تلك الفترة.

وجاءت النتيجة تاجاً على هيئة ربطة للرأس «توتي فروتي» من النوع الذي كانت النساء الأنيقات في الغرب يضعنها على جباههن في أوائل القرن الماضي. ويتألف التاج من باقة من الزمرد والياقوت واللازورد، في تشكيل نباتي رائع موزع على قطعتين يمكن ربطهما أو فصلهما معا، بحيث يمكن التزين به كتاج أو ربطة للجبين، أو فك القطعتين واستعمالهما كسوارين للمعصم.

بالتأكيد، سيتوقف الزوار والفضوليون أمام حلية إدفينا ماونتباتن، في صالة المتحف الجديدة، وهم يستعيدون ما بلغ أسماعهم وما نشر في الكتب عن حكاية الحب التي جمعتها، وهي زوجة لنائب الملكة وحاكم الهند، بالسياسي البارع نهرو، حينما كان منغمرا في نشاطاته السياسية الهادفة لانتزاع استقلال بلاده من سلطة بريطانيا.

فهل تعلقت العاشقة الإنجليزية بهذه الحلية لأن أحجارها كانت من أجمل ما عرضته دكاكين دلهي، موطن الحبيب الهندي؟

بدأت فصول الحكاية التي تصلح فيلماً سينمائياً في الثاني والعشرين من مارس(آذار) 1947 عندما وصلت إدفينا مع زوجها لويس ماونتباتن إلى دلهي. كانت يومها في السادسة والأربعين من العمر وقد تركت سنوات الحرب آثارها على وجهها المتعب ونفسيتها المشتتة. لذلك كانت تعقد الآمال على رحلتها إلى الشرق لنسيان الجهود الضخمة التي تحملتها طوال فترة الحرب العالمية الثانية في بريطانيا.

أما الزوج لويس ماونتباتن الذي يتحدر من سلالة الملكة فيكتوريا ويرتبط بقرابة العمومة مع الأمير فيليب، دوق أدنبره ، فكان يحتفظ بأوج شبابه ووسامته. لقد عينه مجلس اللوردات البريطاني نائبا لملك بريطانيا في الهند وأوكل إليه مهمة التمهيد لانتقال هذا البلد، الذي كان يعتبر درة التاج البريطاني، من التبعية إلى الاستقلال. وبالمقابل، كان هناك جواهر لال نهرو، الزعيم الهندي الشاب الذي قاد تحت لواء المهاتما غاندي نضال بلاده من أجل الاستقلال.

وكان نهرو مكلفاً استقبال الثنائي الملكي عند وصولهما إلى سنغافورة، في طريقهما الى دلهي. وفي ذك اللقاء الأول أدى نهرو مهمته على خير وجه بحيث أن السيدة ماونتباتن أعربت عن إعجابها بأدبه الجم وثقافته الرفيعة ولم تكن تدري يوما بأن مشاعرها نحو هذا الرجل الأسمر الساحر ستقلب كل حياتها، هذا رغم أن نهرو كان، يومها، في الثامنة والخمسين من العمر، أرمل فقد زوجته التي أنجبت له ابنته إنديرا، فتفرغ للمستقبل السياسي الزاهر الذي ينتظره.

حين استقر الزوجان في مقرهما في دلهي دخل لويس ماونتباتن في معمعة اللقاءات والاستقبالات والاجتماعات الضرورية للتشاور مع التيارات السياسية المختلفة، في حين انصرفت زوجته إلى زيارة القرى الهندية واستقبال وفود النساء وإقامة حفلات الاستقبال والعشاء التي لا بد منها في كل إقامة جديدة في بلد غريب.

وقد كان نهرو الضيف الأول في تلك الحفلات كلها. نعرف ذلك من اليوميات التي كانت إدفينا تحرص على تدوينها، طوال فترة إقامتها في الهند، ومن الرسائل التي كانت تبعث بها إلى أبنائها الثلاثة في بريطانيا. ولعل تلك اليوميات هي التي فضحت ما كانت السيدة البريطانية تكنه للزعيم الهندي من مشاعر.

شيئا فشيئا، نمت بين الاثنين خيوط صداقة حميمة من ذلك النوع الذي ينشأ بين رجل وامرأة تجاوزا سن التهور من دون أن تغادر جذوة الشباب قلبيهما. وفي سبتمبر (أيلول) 1947 وبعد أسبوعين فقط من الاستقلال، أدركت إدفينا فجأة أنها تحب نهرو.

فقد اندلعت اضطرابات عنيفة في الشارع وأحاط رجال مسلحون بالسكاكين والخناجر ببيت نهرو وهددوه بالقتل. لكن الزعيم نزل إلى الشارع واستطاع تهدئة المهاجمين ورد اعتداءاتهم، وقد تأثرت إدفينا بهذا التصرف الشجاع إلى حد أنها انهارت في نوبة من البكاء، وكتبت في يومياتها ذلك النهار: «يا إلهي انه سالم وقد نجا من الاعتداء».

كان اغتيال المهاتما غاندي صدمة قاسية بالنسبة إلى نهرو الذي انشغل بالجنازة الضخمة وبشؤون السياسة ومناوراتها إلى الحد الذي أخذه بعيدا عن السيدة ماونتباتن، لكنه لم يصبر على الابتعاد وكتب إليها من إحدى رحلاته يقول: «أنا بحاجة إليك وإلى الحديث معك بلا قيود وبكل ثقة فأنت الوحيدة التي تستطيع الإصغاء إليّ».

صباح العشرين من يونيو (حزيران) 1948 آخر أيامها في الهند، استقبلت إدفينا صديقها نهرو في غرفة بعيدة عن غرف قصرها في دلهي وأهدته علبة ثمينة تعود إلى القرن الثامن عشر وميدالية تحمل صورة القديس كريستوفر. وقال نهرو متعجبا: «ماذا افعل بالميدالية؟ هل أضعها حول عنقي؟ إن هذا مخالف لعقيدتي».

وقد أهداها بدوره قطعة نقدية قديمة ظلت تحملها في سوار لم يفارق معصمها إلى حين وفاتها. كما أهداها صندوقاً من ثمار المانغو ونسخة من سيرته الذاتية. وصارحته إدفينا بأن صداقته كانت أجمل هداياه إليها، خصوصا أن تلك الصداقة ساعدتها في التغلب على هواجسها وقلقها في فترة صعبة من فترات الحياة.

قالت له: «على الرغم من كل مشاغلك وواجباتك تجاه شعبك كنت تجد الوقت لتكتب إليّ، وقد آن الأوان لأرد لك الجميل، وستكون رسائلي استمراراً للحوار الذي لا أريد له أن ينقطع بيننا».

على الباخرة التي أقلتها في طريق العودة إلى بريطانيا، تركت إدفينا لأحزانها العنان وأمضت نهاراتها ولياليها وهي معتكفة في مخدعها تبكي حبها المستحيل. ولما وصلت الى «برودلاند» حيث يقع قصر العائلة، وجدت شيئا من العزاء في صحبة أبنائها. لكنها كانت مضطرة للعودة الى لندن وزيارة قصر «بكنغهام» ومقر مجلس الوزراء.

وقد شعرت أنها ضائعة في تلك الأماكن ووحيدة إلى الحد الذي كتبت فيه إلى نهرو تقول إن سعادتها الوحيدة تكمن في الالتقاء بالطلبة الهنود لتسلم الرسائل الآتية منه والتي غالبا ما يدسّ فيها أبياتا من الشعر. الحلية التي صاغها الفرنسي كارتييه تعرض في متحف «ألبرت وفكتوريا» في عام 1951 زارت إدفينا الهند مرة أخرى والتقت نهرو ثم عادت أدراجها إلى أوروبا.

وأثناء توقف للطائرة في مطار القاهرة اكتشفت أن نهرو قد دسّ منديله الحريري في جيب معطفها أثناء الوداع. فرفعت المنديل إلى فمها ومسحت دموعها به. لكن تأثرها لم يقتصر على الجانب العاطفي بل تعداه الى نظرتها للحياة.

وبسبب تأثر الليدي بآراء صديقها الزعيم التقدمي الهندي هاجمتها الصحافة البريطانية بقسوة إثر تصريحات لها أثناء زيارة الى مبنى الأمم المتحدة. ووصفت التصريحات بأنها «ذات نفس شيوعي». وجاءت هفوة أُخرى أثناء احتفالات تتويج الملكة إليزابيث حين أعلنت إدفينا استنكارها للقمع الذي تمارسه الشرطة البريطانية في كينيا. وكان واضحاً أن اهتمامها بتلك الأمور ناتج عن مراسلاتها مع نهرو.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1950 و1957 قام نهرو بثماني زيارات للندن تضمنت كلها سفرات إلى قصر ماونتباتن في «برودلاند». وفي إحدى تلك الزيارات وكان الوقت ليلة صيف، شوهد نهرو وإدفينا يتعانقان في حقل بعيد. ورغم ما يبعثه الحب من انتعاش، كان الزمن قد بدأ يترك بصماته على صحة إدفينا وتقهقرت الحيوية التي اشتهرت بها وابيضّ شعرها ولاحظت، بمرارة، تباعد الرسائل بينها وبين نهرو.

في ربيع 1955 قام أحد المتطرفين بمهاجمة نهرو وطعنه بخنجر. وظنت إدفينا أن حبيبها قد فارق الحياة لكنه سرعان ما اتصل بها ليؤكد نجاته من عملية الاغتيال . وبعد ذلك بسنوات قلائل بدأ نهرو يطرح على بساط البحث مسألة اعتزاله السياسة. وكتبت إدفينا تقترح عليه أن يأخذ إجازة يمضيها في مرتفعات «كولو» مع ابنته إنديرا .

وعلى الرغم من أن الأطباء حذروه من مخاطر الارتفاع الشاهق على صحته إلا أن تلك الإجازة كانت فرصة لمراجعة النفس، ولم تنقطع خلالها مراسلاته مع إدفينا، بل انه كان يتراسل مع زوجها لويس أيضا. لكنها كانت رسائل مجاملات بين رجلين يكنّ احدهما للآخر احتراماً وتقديرا.

لم يكن اللورد ماونتباتن أعمى عما يدور حوله لكنه قرر التصرف بحكمة وبشكل لا يسئ إلى التقاليد. لقد تباحث مع زوجته في احتمالات الطلاق وترك لها حرية القرار. أما خصومها فقد تراهنوا على أنها لن تطلق زوجها اللورد ولن تضحي بحياة القصور والنعيم والمجوهرات. والحقيقة أن حياة النعيم ليست هي ما جعل إدفينا تبقى إلى جوار زوجها، ولا الأولاد، ولا الأحفاد، بل احترام الكلمة التي قطعتها لذلك الرجل الذي كان رفيقاً بها دائماً.

عندما التقطت داء الحصبة من أحد احفادها، ونظراً لهزالها الشديد، سارع اللورد ماونتباتن إلى إرسال زوجته في شتاء 1959 إلى الهند للنقاهة. وهناك شكت لنهرو أنها تعاني من مشاكل صحية كثيرة. مع ذلك وجدت الشجاعة للتوقف في مركز للتدريب العسكري في ماليزيا وزارت الجنود ووزعت عليهم الأوسمة وصافحت مئات الأيدي قبل أن تستقر في مقر قائد البعثة البريطانية في «بورنيو». وفي صباح الأحد الحادي والعشرين من فبراير (شباط) 1959 دقت مساعدتها باب غرفتها فلم تسمع إجابة، ولما دخلت وجدتها في فراشها دون حراك.

وجاء في التقرير الطبي أن الليدي ماونتباتن قد فارقت الحياة إثر سكتة قلبية. ونقل جثمانها إلى إنجلترا ملفوفا بالعلم البريطاني. ولم تدفن في مقابر العائلة المالكة بل ألقيت جثتها في البحر، بناء على وصيتها. وفي وصيتها أيضاً طلبت إدفينا بأن تعطى كل رسائلها إلى زوجها لويس، في علامة جميلة من علامات الثقة والمحبة.

في 25 فبراير، وبينما كانت الفرقاطة «ويكفول» تنقل جثمان إدفينا ماونتباتن تمهيدا لإلقائه في بحر الشمال، اعترضتها سفينة هندية تحمل على متنها رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو الذي ألقى، من سفينته، باقة من أزهار الربيع باتجاه الموضع الذي غاب فيه جسد صديقته البريطانية. وكان ذلك هو الوداع الأخير.