كيف غيّرت الطماطم حياة البشر حول العالم؟

تعدّ الطماطم، أو البندورة، واحدة من أهم الخضراوات التي يزرعها ويتناولها الناس حول العالم، ويقال أيضا إنها غيرت العالم الذي حولنا منذ سنوات طويلة، وغيرت نظرتنا إليه من نواحٍ كثيرة، خصوصا العادات والتقاليد، وسبل تحضير الطعام، بيعه، شراءه ومذاقه.


يطلق الإيطاليون على البندورة اسم الـ«بومودورو – pomodoro»، الذي يعني التفاحة الذهبية، أو الفاكهة الذهبية، منذ القرن السادس عشر، إلا أن البندورة التي نعرفها حمراء اللون لا علاقة لها بالذهب وأقرانه من الألوان.

ويعود ذلك، حسب الأبحاث التي أجراها البروفسور ديفيد جانتيلكور من جامعة ليستر البريطانية، إلى أن الرحالة أو المكتشفين الأوائل للعالم الجديد (أميركا) لم يجلبوا معهم إلى العالم القديم (أوروبا) البندورة الحمراء التي يطلق عليها اسم – Tomato فحسب، بل جلبوا معهم أيضا البندورة الصفراء التي كان يطلق عليها اسم توماتيلوس – tomatillos، ومع أن الأوروبيين والإيطاليين بشكل خاص عزفوا عن استخدامها، فإن اسم بومودورو بقي ملتصقا بالبندورة الحمراء.

ورغم غرابة استخدام تعبير التفاحة الذهبية لنا في هذا العصر، فإن استخدام هذه التعابير على بعض أنواع الفاكهة وغيرها لم يكن غريبا على القرن السادس عشر.

ويقول الكاتب روبرت ابلبوم في قراءته لكتاب «بومودورو – تاريخ البندورة في إيطاليا» لديفيد جنتيل كور، إن الإيطاليين لم يعشقوا البندورة منذ البداية، وقد استغرقهم الأمر سنوات طويلة جدا لاحتضان الفاكهة الطيبة واللذيذة واعتبارها جزءا لا يتجزأ من مطبخهم العام والشهير.

فالبندورة في بدايتها عندما وصلت إلى أوروبا وإيطاليا من البيرو أو الإكوادور أو تشيلي أو جزر جلاباجوس كانت تعد من فصيلة الباذنجانيات التي كانت من النباتات السامة، لاحتوائها على مادة النيكوتين الضارة بالصحة، ومنها نبات التبغ والباذنجان والبطاطا والفليفلة واللساس والبنج، وغيرها. وتم ذلك على يد العالم النباتي بيترو ماتثيولين عام 1548 في توسكانا، الذي كان، أو من اعتبرها، من الفصائل النباتية السامة.

ومع أن الإنجليز أحبوا البندورة في بداياتها، وخصوصا شكلها، فإنهم عاملوها أيضا معاملة النبات السامة، وبالتالي تجنبوها. ولهذا السبب أيضا، استخدمها الإيطاليون للزينة في البدايات لجمالها الطبيعي.

ويقال أيضا، إن السبب في اعتبار معظم الأوروبيين البندورة سامة يعود إلى الطريقة التي كان الناس في أوروبا في بدايات القرن السادس عشر ينتجون ويصنعون فيها صحونهم وأطباقهم.

فقد كان الأغنياء يستخدمون الأطباق المصنوعة من «البوتر» أو «القصدير» الذي يعد غنيا بالرصاص، وبالتالي، ومن شأن المواد الغنية بالاسيد كالبندورة أن تنتقل إلى الطعام وأن تسبب التسمم، وأحيانا الموت المحتم.

أما الفقراء الذين كانوا يستخدمون الأطباق المصنوعة من الخشب لم يواجهوا هذه المشكلة ولم ينفروا من البندورة، ولهذا أيضا لم تأكل البندورة إلا من قِبل الفقراء في إيطاليا حتى القرن الثامن عشر.

وعلى عكس البطاطا والباذنجان، لم يعرف الأوروبيون أيضا في البداية كيف يتعاملون مع البندورة، وبأي طريقة يستخدمونها. ولا بد من الذكر هنا أن أنواع البندورة في تلك الأزمنة كانت أكثر حموضة مما هي عليه اليوم.

ولهذا يقال إن الإسبان كانوا أول من بدأ فعلا في استخدام البندورة والباذنجان والقرع والبصل في المطبخ، وقد علّموا الإيطاليين كيف يعملون على قلي هذه الخيرات. ويبدو أن الاستخدام المطبخي للبندورة بدأ في المناطق الريفية في جنوب إيطاليا الذي كان أكثر تأثرا بإسبانيا، وكان أكثر فقرا أيضا، ويعتمد على الأطباق النباتية التي يطلق عليها اليوم اسم «الحمية المتوسطية».
وكان أهل الجنوب الإيطالي في جزر سردينيا وصقلية وكالابرالا يتناولون البندورة طازجة من دون طبخ مع زيت الزيتون والملح والفلفل الأسود الحار إلى جانب الخضراوات الأخرى والخبز والحبوب، وكان طبق البندورة طبقا رئيسا أيضا.

لا توجد أدلة على وجود صلصة البندورة التي نعرفها حاليا قبل القرن الثامن عشر، وقد كانت نابولي (في الجنوب) السبّاقة في نشر هذه الصلصة مع بيتزا المارغاريتا في القرن التاسع عشر. ويطلق على البيتزا مارغاريتا تيمنا بالملكة مارغاريتا التي كانت أول ملكة منذ غزو نابليون لإيطاليا تزور نابولي. واحتفاءً بها، تم إنتاج هذه البيتزا المصنوعة من ثلاثة مكونات تعكس العالم الإيطالي، وهي الحبق الأخضر وصلصة البندورة الحمراء وجبنة الموزاريلا البيضاء.

ولا عجب أن تكون منطقة سان مارزانو خارج نابولي، ولا تزال من أهم المناطق المعروفة بزراعة البندورة بشتى أنواعها لإنتاج الصلصة، والتصدير إلى الولايات المتحدة.

على أي حال، فإن انتشار البندورة على شكل واسع في العالم وإيطاليا جاء مع الهجرات الإيطالية إلى العالم الجديد، وخصوصا نيويورك في القرن التاسع عشر، التي عرفت تعليب البندورة المقشرة.

وبدلا من أن تأخذ أميركا البندورة من جاراتها القريبة في أميركا اللاتينية جاءتها من أوروبا عبر الإيطاليين، ويقال إن الرئيس الأميركي توماس جيفرسون جلب بذور البندورة من باريس في فرنسا إلى مونتيشيلو في فرجينيا في الولايات المتحدة. ومن دون انتقال البندورة إلى الولايات المتحدة لم يكن بالإمكان انتشارها على هذا النطاق الواسع حول العالم، فمن البيتزا التي انتشرت من إيطاليا إلى أميركا، ومن أميركا إلى كل بقاع العالم أصبحت الولايات المتحدة تنتج ما لا يقل عن 12 مليون طن من البندورة في السنة.

وجاء أول ذِكر للبندورة في كتب المستعمرات البريطانية في أميركا في عام 1710، أي بدايات القرن الثامن عشر، على يد العالم النباتي وليام سلمون.

ويقال إن أول وصفات استخدام صلصة البندورة مع الرافيولي كانت من الموسيقار المعروف نيكولو باغانيني، وهي تضم: الطحين، اللحم والزبدة، البندورة، نقانق اللوغانو، البصل ولسان الثور.

الثورة الصناعية والهجرات الإيطالية الحديثة إلى العالم الجديد وبقية أنحاء المعمورة، وتوسع رقعة التجارة العالمية. فترات الازدهار والركود والفاشية والنمو الاقتصادي الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية والكثرة التي نعيشها حاليا، كلها عوامل ساهمت في وضع البندورة على رأس لائحة الأطعمة التي يتناولها الناس هذه الأيام.

على أي حال، فقد استغرق الأمر ثلاثة قرون ليتقبل العالم الأوروبي البندورة ويبدأ في استغلالها ونشرها على نطاق واسع، ولا ينطبق هذا الأمر إلا على البطاطا من بين كثير من الفاكهة التي جلبها مع كريستوفر كولومبس من العالم الأميركي الجديد إلى القارة الأوروبية.

البندورة تعد من أهم الأنواع الفاكهة التي كانت على لائحة التبادل الكبير بين العالمين القديم والجديد، أو ما يعرف بالتبادل الكولومبي، وتقول الموسوعة الحرة بهذا الشأن إن التبادل الكبير «كان عبارة عن عملية تبادل على نطاق واسع للحيوانات، النباتات، والثقافة والأشخاص، والأمراض المعدية، والأفكار بين الأميركيين الأصليين والقادمين من أوروبا بعد رحلة كريستوفر كولومبوس في عام 1492.

أدى التواصل بين الثقافتين إلى تبادر عدد من المحاصيل التي أدت إلى زيادة عدد السكان في نصفي الكرة الأرضية، حيث عاد المستكشفون إلى أوروبا محملين بالذرة، الطماطم، البطاطس والتي أصبحت من المحاصيل الرئيسية في أوروبا مع حلول القرن الثامن عشر. في الوقت ذاته، قدّم الأوروبيون محاصيل الكاسافا والفول السوداني إلى جنوب شرق آسيا ذات المناخ الاستوائي».

الاتصال بين العالمين أدى إلى انتشار كثير وعديد من النباتات والحيوانات والطيور، وبالتالي ارتفاع أعدادها في كلا العالمين. ولكن من جهة أخرى، أدى ذلك التبادل إلى انتشار الأمراض الجديدة بين أبناء القبائل في أميركا الجنوبية، وبالتالي إلى فناء والقضاء على أعداد كبيرة جدا من هؤلاء السكان الأصليين، مما غير من الطبيعة الديمغرافية ومستقبل البلدان التي كانوا يقطنونها إلى الأبد.

بأي حال، فعندما يجري الحديث عن التبادل الكبير، فإن الحديث يكون معنيا بتبادل الأمراض، الحيوانات، النباتات، الأفكار والسكان بين العالمين القديم والجديد. ومنه ولدت محاصيل مهمة جدا على الصعيد العالمي، مثل محاصيل البندورة والبطاطا والذرة والكوكا والتبغ الذي كان يستخدم بديلا عن العملة أحيانا. كما ساهم التبادل الكبير في توسيع رقعة المحاصيل القديمة وارتفاع إنتاجها كالقهوة والسكر.

وفي كتاب كريستوفر كومو «الطعام الذي غير التاريخ: كيف شكل الطعام الحضارات من العالم القديم إلى الحاضر» يقول كومو: «إن البندورة لم تكن تتحمل النقل والنقليات كما لم يطمح كثير من الناس لأكلها، وكان موطنها جنوب أوروبا، أو أوروبا الجنوبية التي تعد متخلفة للأوروبيين الشماليين، لكن نهاية القرن الثامن عشر بدأت المطاعم الغالية الثمن والمعروفة في باريس في استخدام البندورة في عدد لا بأس به من الأطباق، مما منحها سمعة طيبة في أوساط الطبقات الغنية، وساهم وساعد في انتشارها، كما حصل مع البطاطا، وخصوصا في الولايات المتحدة الأميركية على يد جيفرسون الذي نقل بذورها، كما سبق وذكرنا، وضمها إلى مطبخه الجديد.

وبعد تبنيها في أميركا وبدء صناعة الكاتشاب لأول مرة في ولاية لويزيانا في بداية القرن التاسع عشر، تم تغيير وضعها النباتي وتصنيفها من الفاكهة، كما اعتبرها علماء النبات خضراوات، كما أراد المزارعون في أميركا لتخفيض نسبة الضرائب عليها وحمايتها من الصادرات القادمة من المكسيك.

كما عملت البندورة على تشكيل التاريخ عندما أصبحت موضوعا للتقدم العلمي والأبحاث، حيث كانت من أول النباتات التي يتم تهجينها قبل الذرة في العشرينات من القرن الماضي. ويضيف كومو، أنه بعد الحرب العالمية الثانية، انتشرت ظاهرة البيوت الزجاجية الخاصة بإنتاج البندورة في أميركا الشمالية، وبدأت أوروبا في زراعة البندورة على مدار العام.

ما ينطبق على البندورة ينطبق على البطاطا من ناحية الانتشار، والانتقال من مزارع العالم القديم إلى مادة من المواد الرئيسية التي لا يمكن للعالم الاستغناء عنها أو العيش من دونها.

ويمكن أن نلحظ التأثير الكبير للبطاطا على التاريخ الحديث في كارثة المجاعة الآيرلندية منتصف القرن التاسع عشر. فقد كانت البطاطا المصدر الأساسي لفقراء آيرلندا، ولأن الاعتماد عليها كان كليا، أدى إلى إتلاف إحدى الآفات الزراعية لمحاصيلها في آيرلندا وأوروبا إلى موت أكثر من مليون إنسان وهجرة عدد مماثل إلى الولايات المتحدة الأميركية، مما غير الطبيعة الثقافية والسكانية والبيئية والسياسية لكلا البلدين.

البندورة غيرت العالم بطرق مباشرة وبطرق غير مباشرة، فهي كانت جزءا مهما من المواد الأساسية في التبادل الكولومبي الكبير الذي غير خريطة النباتات والمحاصيل حول العالم، وكانت سببا من أسباب تحويل الخوف عند الأوروبيين من الخضراوات الغريبة والسامة، كما كان يقال، إلى غرام رهيب.

ومن البيتزا التي تعدّ أحد أهم الأطعمة السريعة حول العالم والتي غيرت سبل تنازل الطعام عند البشر إلى الصلصة والكاتشاب اللذين يصعب أن يعمل مطبخ أو مطعم من دونهما. ومن البيتزا والصلصة أو الكاتشاب وتغيير مذاقات البشر إلى المزارع الزجاجية وتقنيات التعليب والتهجين لشتى الأنواع والخضراوات.

لم يحدث في التاريخ من قبل أن رافقت ثمرة صغيرة بحجم التفاحة الصغيرة الثورة الصناعية، والهجرات الإيطالية الكبيرة حول العالم، وفاشية موسيليني، وثورة التقنيات الجينية، كما حصل مع البندورة التي من دونها سيبدو العالم أكثر اختلافا، وأشبه بصور الأسود والأبيض.