الهوميوباثي.. وسيلة علاجية أختبارية لم يثبت العلم جدواها

يُعد الهوميوباثي Homeopathy أحد أنظمة الطب المكمّل والاختياري complementary and alternative medicine، التي تترجم خطأ، وبشكل واسع، إلى اللغة العربية بعبارة الطب البديل substituent ومعلوم، عقلاً ولغة، الفرق بين معنى الترجمتين في التعبير عن مسمى ووصف تلك الأنظمة الطبية العلاجية.


والمعالجة بالهوميوباثي هي بإعطاء المريض الذي تبدو عليه أعراض ومظاهر ذلك المرض، جرعات قليلة ومخففة جداً من مواد تُؤدي، حال تناولها من قبل إنسان سليم، إلى ظهور أعراض مشابهة للتي تبدو على المريض الذي يشكو من ذلك المرض.

وبمراجعة نتائج الدراسات الإحصائية العالمية، فإن من الواضح أن ثمة إقبالاً محدوداً على المعالجة بالهوميوباثي في الدول الغربية.

وبالرغم من هذا الانتشار المحدود، إلا أن دول أوروبا الغربية لا تزال المعقل الرئيس لهذا النوع من الطب، إضافة إلى بعض الدول الآسيوية كالهند وباكستان وبنغلاديش.

ووفق الدراسة المنشورة بالمجلة الطبية البريطانية، الصادرة عام 1994، فإن نسبة الإقبال على الهوميوباثي تبلغ في الدنمارك 28%، وفرنسا 32% وهولندا 31% والسويد 15% وبريطانيا 16%.

وبحسب إحصائيات 2004 فإن الإقبال في بلجيكا هو حوالي 6%. أما إحصائيات عام 2005 الصادرة عن الولايات المتحدة، فإن الإقبال على الهوميوباثي انخفض فيما بين عام 1997 وعام 2002 من 3.4 % إلى 1.7 %.
 أسس للتقييم

والأساس أن تخضع كل وسيلة من وسائل معالجة الناس للتقييم الموضوعي العلمي وفق منهجية تعتمد على إثبات التأثير ومعرفة الكيفية التي يتم بها وأمان الاستخدام، لأن الأصل في تقبل أي أنواع المعالجات للأمراض هو: هل نعتمد طريقة ما في معالجة «كل» الناس حينما يشكون من ذلك المرض أم لا؟ وبعيداً عن المعالجة المستمدة من المعتقدات الدينية، ومدى أهلية البشر للحكم عليها بالصحة أو الخطأ أصلاً، فإن هذا الأصل في تقييم الوسائل الطبية التي اخترعها البشر يتم عليها جميعها، وبدون تمييز بينها على حسب جنس أو نوع أو لون أو حتى رائحة ذلك النوع من الطب وأساليبه.

وإن كان المصدر للطب غربياً أو شرقياً أو شمالياً أو حتى جنوبياً وسواء استعان ذلك الطب باستخدام الهواء، الماء، المعادن، المركبات الكيميائية، الحيوانات، الأعشاب، الفاكهة، الخضار أو أشعة الشمس، وسواء كان مسماه طباً حديثاً أو قديماً أو صينياً أو هندياً أو عربياً أو غير ذلك من المسميات التعريفية.

والهوميوباثي بالذات، اُخضع من قبل مخترعه، الطبيب الألماني، في أوائل لحظات ولادته للتجربة العلمية حول وجود أي تأثير له. وما قصة عقار الملاريا عنّا ببعيدة.

 كما أن الهوميوباثي تبنى الالتزام بتعليل ما تقوله، منذ اللحظات الأولى لولادة هذا النوع من المعالجات الطبية.

وما كلام الطبيب الألماني في تكملة تلك القصة عنّا ببعيد أيضاً. لكن المستغرب هو ذلك الانفلات منقطع النظير الذي أصاب ذاك النوع من الطب، بعدما فقد واضعه ومخترعه السيطرة على إقبال دخول معالجين شتى للاستفادة منه بغية التصدر لمعالجة الناس والاصطباغ بلقب «مُعالج» كي يقصدهم الناس من كل فج قريب أو بعيد.

وحتى الهوميوباثي واجه مشكلة الأمراض المزمنة، وليس الطب الحديث فقط. ولمّا عجز أمامها أبو ذلك النوع من الطب، الطبيب الألماني، اخترع نظرية عفن الأبخرة miasm theory والعلاقة المغناطيسية magnet communication وغيرها من التعليلات النظرية الفلسفية التي لا يُمكن تقبلها اليوم على أرض الواقع العلمي الصلب، دونما إثبات حقيقي لوجودها، لأننا بدون ذلك سنُدخل الطب إلى عالم الأرواح وامتهان قوى ما وراء الطبيعة metaphysical pursuits وهلم جرا، ما قد لا تتقبله أو تتحمله وسائل الطب والمعالجة.

 دراسات عالمية وأشارت دراسات المراجعات التي أجرتها مجموعة كوشران العلمية التعاونية البريطانية Cochrane Collaboration، المعمولة بشكل نظامي ومنهجي وفق أسلوب الطب المبني على الأدلة والبراهين العلمية evidence based medicine، حول طب الهوميوباثي، أن الأدلة العلمية غير كافية على إثبات جدوى هذا الأسلوب العلاجي في التعامل مع حالات الربو والخرف وبدء الولادة.

 كما أنها وجدت بأنه لا توجد أدلة على وسائل الهوميوباثي تمنع الإصابة بالإنفلونزا. وقالت دراسات المراجعة التي قامت بها هيئات علمية عالمية أخرى، بأنه ليس ثمة أدلة علمية كافية على جدوى الهوميوباثي في معالجة روماتزم المفاصل أو الوقاية من صداع الشقيقة أو ألم العضلات أو أعراض بدء سن اليأس.

ويقول المركز القومي للطب المكمّل والاختياري بالولايات المتحدة، التابع للمؤسسة القومية للصحة. وهو مركز علمي حكومي محايد، الآتي:
ـ«المراجعة العلمية المنهجية لم تجد أن الهوميوباثي له تأثير ثابت وحقيقي في معالجة أي مشكلة صحية». وهذا هو من أقوى وأدق وأوضح عبارات تقارير المركز القومي العالمي هذا.

ـ «نتائج كل الدراسات الطبية المنضبطة، التي تمت حول جدوى المعالجة بالهوميوباثي، كانت متناقضة، لأن بعضها يقول إن المعالجة بالهوميوباثي لم تكن أفضل من المعالجة بدواء وهمي مزيف placebo ، في حين أن البعض الآخر من تلك الدراسات قال إن النتائج أفضل من التي نتوقعها من تناول العلاج الوهمي المزيف، ما يعني أن المقارنة في تلك الدراسات لم تتم بين المعالجة بالهوميوباثي والمعالجة بدواء وهمي مزيف».

ـ «عدد من المفاهيم الأساسية لهذا النوع من المعالجة يتناقض مع أصول الكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم الأساسية».

ـ «إن من غير الجدير بالثقة أن تكون ثمة تأثيرات بيولوجية حيوية لدواء يحتوي على كميات ضئيلة للغاية، أو ربما لا يحتوي حتى على كمية جزيء واحد، من مادة العنصر الفاعل».

ـ «التأثيرات التي تُنسب لهذه المعالجات قد تكون نتيجة ما يُعرف بـ«تأثير العلاج الوهمي» placebo effect أو تأثيرات بلا صفة متميزة non-specific مشابهة».

ـ «هناك قصور كبير وواضح في عدم اختبار مدى الجدوى الفعلية لكثير من هذه المعالجات لأمراض يُزعم من قبل المعالجين بالهوميوباثي أنها تُفيد فيها. وإن كانت مفيدة في معالجتها، فكيف يتم ذلك؟» ـ «الافتقار إلى معرفة التفسير العلمي لكيفية تأثير استخدام معالجة ما، موجود في الهوميوباثي وغيره من أنواع المعالجات الأخرى. والإشكالية هي في تبني منطق أن العلاج طالما كان «آمنا ومفيدا»، فإنه ليس ثمة من داع لتفسير علمي».

وتقول الهيئة الحكومية للخدمات الصحية القومية في بريطانيا:
 ثمة أكثر من 200 دراسة أُجريت لتقييم جدوى معالجات الهوميوباثي، والعديد من دراسات المراجعة والتحليل لها. وبالرغم من كل هذه الدراسات فإنه لا يُوجد دليل إكلينيكي، طبي تطبيقي، على أن الهوميوباثي يعمل ويُفيد، وأن كثيراً من الدراسات التي قيمت الهوميوباثي وجدت أن الاستفادة كانت من نوع «تأثير الدواء الوهمي»، حيث ليست الفائدة ناتجة عن العلاج نفسه بل من مجرد القيام بـ«فعل تناول دواء».

الأطباء والعلماء لا يقبلون بشكل عام المعالجة بالهوميوباثي لأن إدعاءات المعالجين به لم يتم إثباتها وفق معايير الطب الحديث والأساليب العلمية.

وتعد الإمارات الدولة العربية الوحيدة التي سمحت بممارسة الهوميوباثي شريطة أن يجتاز الممارس الامتحان الذي يثبت كفاءته.

وفيما تعد ممارسة الهوميوباثي غير رسمية في مصر إلا أن الجمعية المصرية العلمية للهوميوباثي تقوم بتدريسه.

الهوميوباثي.. تفسير ألماني لكلام أبقراط
أسس الطبيب الألماني كريستيان صموئيل هانمان (1755 ـ 1843) نظام طب هوميوباثي. وكان قد ترك ممارسة الطب في بلده واتجه إلى ترجمة الكتب الطبية.

وفى إحدى المرات بينما كان يترجم أحد المقالات الطبية، قرأ أن أحد الأطباء البريطانيين توصل إلى عقار جديد للملاريا من الكينين، وأنه أرجع جدوى اكتشافه إلى كون الكينين مادة كيميائية قابضة.

 لكن الدكتور هانمان افترض أن خاصية الكينين القابضة لم تكن وراء نجاحه كعقار لعلاج الملاريا، لأن هناك العديد من المواد الكيميائية الأكثر قابضية من الكينين، ولكنها لا تؤثر وبأي حال من الأحوال في علاج الملاريا.

ولذا جرب هانمان تناول الكينين، وأثار دهشته أن مجرد تناول عدة جرعات صغيرة جداً منه أدى إلى الشعور ببعض من أعراض الملاريا كالرعشة، وزيادة العرق، والإجهاد الشديد، وارتفاع الحرارة.

واستنتج أن الكينين هو عقار جيد للملاريا ليس لأنه قابض بل لأنه إذا أعطى للأصحاء سبب ظهور أعراض الملاريا عليهم، وإذا توقف عن تناوله، زالت هذه الأعراض.

واستلهم من تجربته الوحيدة مبادئ الطب التجانسي. وزعم بأنها تتطابق مع ما قاله أبقراط قديماً «داوها بالتي كانت هي الداء»، حيث كان الإغريق إذا ما أصيب أحدهم بالإسهال مثلاً عولج بعقار مسهل، على اعتبار أن الإسهال هو التقنية الدفاعية المناعية التي اختارها الجسم للدفاع عن نفسه والتخلص من الميكروب الذي تعرض له، وبذلك لا بد من مساندة الجسم في دفاعه وليس إيقافه. وأن ذلك من شأنه زيادة قوته ومقدرته على الدفاع في المرات التالية.

وبالتالي أمكنه استدعاء الكثير من المتطوعين لتناول عقاقير مختلفة قام هو بتحضيرها عن طريق الإذابة والتخفيف ومعظمها كان من السموم.

 ثم قام بتسجيل الأعراض التي ظهرت عقب تناول كل مادة، ومن هنا أصبح لديه دليل سجل به الكثير من المواد بالأعراض التي تسببها في الأصحاء وبالتالي هي نفس الأعراض التي تعالجها في المرضى.

ومن هذه النقطة أصبحت لديه دراية بأعراض التسمم التي تظهر عقب تناول الكثير من السموم والفرق بينها، كما تمكن من مساعدة الجسم ومساندته عند ظهور أعراض التسمم عند المرضى قبل أن يضعف الجسم ويتنازل أمام السم.