Top
موقع الجمال

شارك

دنيا العطور

شركات العطور تعود إلى الماضي لتقديم عطور المستقبل

تاريخ النشر:06-11-2009 / 12:00 PM

شركات العطور تعود إلى الماضي لتقديم عطور المستقبل
إذا كانت الأزياء هي التي تغذي رغبة المصمم في الإبداع، فإن العطور هي التي تسنده ماديا وتفسح له المجال لإبراز «عنترياته» في تصميم الأزياء

عندما أعلن الراحل إيف سان لوران تقاعده المفاجئ في عام 2002، كان تبريره حينها انه محبط وغاضب من الحال التي آلت إليها صناعة الأزياء الراقية بالذات، في إشارة واضحة إلى أنها صناعة أصبحت تعتمد على العطور ومنتجات التجميل للبقاء والاستمرار.

بكلمات معبرة ومؤثرة، لخص إيف سان لوران حال عالم الموضة، وبالتحديد الهوت كوتير، التي كان يعتبرها فنا قائما بذاته.

لكن على الرغم من تعاطفنا معه، إلا انه من الصعب أن نتناسى أمرا مهما جدا، ألا وهو قوة العامة من الناس الكامنة في عددها.

فأزياء «الهوت كوتير» تخاطب شريحة معينة وقليلة، بينما العطور ومنتجات التجميل تخاطب كل رجل وامرأة، بغض النظر عن العمر والسن والمكانة والإمكانات، بشكل عام، وبالتالي يمكن القول إنها أكثر ديمقراطية. وهذه الديمقراطية هي التي حولتها إلى الدجاجة التي تبيض ذهبا للشركات وبيوت الأزياء.

والتجربة أكدت أن أي مصمم، أصبح لزاما عليه أن ينتج عطورا ناجحة، حتى يتمكن من الاستمرار وتحقيق الاستقرار المادي، الذي يجر معه استقرارا نفسيا، وأكبر دليل على هذا، الوضع الذي وجد المصمم المبدع كريستيان لاكروا نفسه فيه مؤخرا وأدى إلى إفلاسه.

فعلى الرغم من انه يطرح عطورا منذ زمن، إلا أنها لم تحقق النجاح المطلوب، والنتيجة كانت تعثره المادي، الذي تطلب تدخل الحكومة الفرنسية وعشاق الموضة الراقية لإنقاذه بأي شكل من الأشكال.

خلاصة الأمر أنه إذا كانت الأزياء هي التي تغذي رغبة المصمم في الإبداع، وتكشف عن مدى قدراته الخلاقة، فإن العطور هي التي تسنده ماديا وتفسح له المجال لإبراز «عنترياته» في تصميم الأزياء.

لغة الأرقام وأحوال السوق، كما التجربة تؤكد عاما بعد عام، مدى صحة هذا الأمر، وحتى عندما حاولت كل من «وول ستريت جورنال» و«ذي إيكونوميست» مؤخرا تفنيد هذه الحقيقة، بنشرهما أن الأزمة المالية ألقت بظلالها على هذا المجال أيضا، لم يصدق أحد، لأن السوق يقول غير ذلك تماما.

وجولة سريعة في شوارعه ومحلاته، تكشف عن ولادة عطور جديدة بشكل منتظم ومكثف، بخلاصات مختلفة وفي قارورات جديدة، ترقى أحيانا إلى التحف الفنية. فلو لم يكن هناك طلب لتوقف العرض، لكن العكس هو الحاصل تماما، مما يؤكد الاعتقاد السائد بأنه في زمن الحروب والسنوات العجاف تميل المرأة والرجل على حد سواء إلى التجميل والتعطير لتحسين مظهرهما ومزاجهما أكثر من أي وقت آخر.

فالروائح الطيبة، كما يؤكد الخبراء، ترفع معنوياتنا وترقى بنا إلى عالم من الأحلام يضاهي تلك التي تمنحها لنا عروض الأزياء، مع فارق كبير، وهو انه بمقدورنا شراء العطور، فيما لا تستطيع الأغلبية منا الوصول إلى الأزياء.

والسبب حسب تفسير هؤلاء الخبراء أن نفحة خفيفة من عطر معين من الممكن أن تحفزنا وتثير بداخلنا ذكريات وعواطف لا يمكن أن تثيرها حاسة أخرى، وإن كانت هناك مشكلة بسيطة تواجه العديد من الـ«أنوف» وصناع العطور، وهي انه ليست كل الذكريات جميلة.

وهذا ما يحاولون دراسته في كل مرة حتى يتجنبوه. فماكينة العطور ليست كدورة الأزياء تتغير بعد عقد من الزمن لتعود إلى الوراء، بل العكس، عليها أن تنظر دائما إلى الحاضر والمستقبل، مع إمكانية التلاعب على الماضي من خلال نغمات خفيفة.

وليس أدل على هذا من رائحة الخزامى التي عطرت الجدات، لكنها أصبحت ترتبط في ذهن الشابات بكبيرات السن فيتجنبنها بكل الأشكال. أما بالنسبة للرجل، فهو الآخر لم يعد يقبل كثيرا على عطور نفاذة مثل عطر «بروت» الذي اشتهر منذ أربعة عقود. وسبب تجنب الرجل له أنه ارتبط بفترة السبعينات وبات يحتاج إلى تطوير يناسب إيقاعات العصر.

يقول أفري جيلبرت، العالم المتخصص في دراسة حاسة الشم ومؤلف كتاب «ما يعرفه الأنف: علم الروائح في الحية اليومية»، إن «قوة الروائح تكمن في قدرتها على إثارة المشاعر ككل، فالحيوانات تستخدم حاسة الشم في حياتها اليومية، كالبحث عن طعام أو التعبير عن الخوف، بينما تخلق لدى البشر ردود أفعال عاطفية في المقام الأول، الخدعة هنا هي الاستفادة من العطور وخلاصاتها لإثارة المشاعر الإيجابية».

وفيما لا تزال خلاصات البخور والمسك والعنبر والأخشاب الثمينة تدغدغ عواطف البعض منا لارتباطها بمرحلة الطفولة، تماما كما تدغدغ البعض روائح الفانيلا واللبان وسكر نبات وغيرها، فإن الموضة السائدة حاليا هي نغمات الورود والأزهار والفواكه. بمعنى آخر حتى عندما تكون هذه العطور قوية ونفاذة، حتى تناسب موسمي الخريف والشتاء، فإنها لا بد وأن تحتوي على باقة مشكلة بألوان مختلفة، بإجماع المصممين وبيوت الأزياء، على حد سواء.

فمعظم العطور التي طرحوها للاحتفال بمناسبات رأس السنة المقبلة هي عبارة عن نزهة في حديقة قصر غناء تتراقص فيها بتلات الغاردينيا والأوركيد البري، مع أريج الزنبق القرمزي أو زنبقة الوادي الأبيض أو السوسن وغيرها.

نذكر من هذه العطور «ما دام» Madame و«كلاسيك» و«لو مال» Le Male لجون بول غوتييه. فـ«كلاسيك» Classique مثلا يعبق بالورد والينسون والفانيلا، بينما «لومال» الرجالي فيتراقص على نغمات من اللافندر والنعناع ليمنحاه قوة.

وللرجل أيضا طرحت شركة «أزارو» مجموعة جديدة، يترأسها عطر «إليكسير» Elixir ، الذي يعتبر نسخة متطورة ومتجددة من العطر الأساسي، الذي يحمل نفس الاسم. جاء هذه المرة مدعوما بالعنبر، لإكسابه بعض الغموض والسحر الرجولي بالإضافة إلى البرغموت واللافندر والورد والجيرانيوم والطحلب وخلاصات أخرى تنعشه مثل الليمون والمندرين.

دار جيفنشي، بدورها، طرحت عطرها الجديد القديم «أونج أو إيترونج لو سيكري» Ange ou Etrange Le Secret، الذي كانت قد طرحت نسخة منه في عام 2006، لكنه هذه المرة أكثر إغراء وسحرا لأنه يتلاعب على مفهومي الليل والنهار، الكثافة والشفافية، بنغماته المكونة من باقة ورد بيضاء وأزهار مائية وفاوانيا وياسمين.

ومن دار «بيربيري» البريطانية يطل إلينا عطرها «دي بيت» The Beat المكون من مزيج لذيذ من البرغموت والسوسن ومن الهيل والأخشاب الثمينة والمسك والفواكه الحمضية المنعشة، أراده المصمم الفني للدار كريستوفر بايلي أن يتماشى مع شباب «بيربيري» أي عصري و«على الموضة».

أما دار فان كليف أند أربلز، فلخصت كل خبرتها في مجال المجوهرات الفاخرة في طرح عطور لا تقل ترفا، لتولد لنا مجموعة مشكلة هذا الموسم، تتنافس فيها الخلاصات الثمينة، مع أشكال القارورات المبتكرة. فمن المتعارف عليه أن الدار تعشق الطبيعة وتستلهم منها الكثير من أشكال مجوهراتها، لذلك لم يكن غريبا أن تركز على الطبيعة أيضا في عطورها.

تفسيرهم لهذا أن المجوهرات تعشقها العين وتمس القلب والعقل، والعطور تريح النفس وتدغدغ الحواس بكاملها. عطور «فان كليف أند أربلز» لهذا الموسم باقة معبأة في قوارير لا تقل ابتكارا وفنية يتداخل فيها شذى الأزهار وخلاصات الورود، مع نغمات شهية من الأخشاب الثمينة، التي تستعيد أجواء رذاذ المحيط، وهو يتناثر فوق الخشب الطافي على سطح المياه الدافئة بفعل أشعة الشمس، أو دفء التوابل الحارة مثل الفلفل الأسود، فضلا عن الفواكه الحمضية مثل البرغموت وزهرة البرتقال المر والمندرين وغيرها.

لم تكتف الدار بعطر واحد بل بمجموعة متنوعة لا بد وان تجد واحدة منها طريقها إلى قلبك، سواء كانت عطر جاردينيا بيتال أو عطر أوركيد فانيل، أو «لي كارمين» أو«ماجو بلان» أو «بوا دو إري» وأخيرا وليس آخرا عطر «كولون نوار».

ومن قسم العطور في دار «إيسي مياكي» أبدعت لنا دافني بوجي، عطرا غريبا، لكن رقيقا من رحم عطر الدار الكلاسيكي «لو ديسي» L"Eau D"Issey قالت إنها استوحته من رائحة السحاب.

تفسيرها للوهلة الأولى يزيد من غموضه، لكنها تابعت أنها عندما فكرت فيه، فإنها تصورت شكل سحابة صغيرة بيضاء وخفيفة مثل قطعة قطن في سماء صافية، ومن هنا كان لا بد أن يتميز بالخفة التي توفرها خلاصات أزهار مثل الورد واللوتس، ترمز للعلاقة التي تربط بين الشرق والغرب، فضلا عن الأخشاب والمسك والشاي الأبيض.

والنتيجة كانت عطرا عصريا كامل الأوصاف.