الفراعنة والعرب .. وأمراض العيون

"مارس قدماء المصريين مهنة الطب بمهارة فائقة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وسجلوا إنجازاتهم الطبية علي أعمدة وحوائط المعابد، بل ودونوها في برديات ما زالت محفوظة في العديد من المتاحف العالمية. ووصلت براعة المصريين في هذا المجال إلي حد أنهم فرقوا بين تخصصات الطب المختلفة، ومن بين هذه التخصصات التي برعوا فيها أمراض العيون.. وكان يطلق علي من يمارس هذا التخصص اسم "كحّال" أي طبيب العيون".
 
هذا ما ذكره هيرودوت "أبو التايخ"
وكان المصريون ينسبون تدوين الطب إلي المعبود "أمحوتيب" الذي عرف بنبوغه ومهارته في الطب والعمارة وأقاموا له معبداً في منف. وكان نبوغ المصريين في طب العيون مواكبا لانتشار أمراضها في مصر في تلك الفترة.. وهو ما تؤكده الرسوم والنقوش المحفورة لأشخاص مكفوفين علي جدران المعابد والمقابر وهم يمارسون الغناء والموسيقي  كنوع من التأهيل الاجتماعي لهم.
 
وتحكي لنا البرديات القديمة أن أطباء العيون كانوا يعملون تحت حماية الإله "تحوت" الذي شفي عين حورس بعد أن مزقها الشرير "ست" إلي قطع، وما زال الرسم المنقوش للعين الممزقة رمزا شهيرا حتي الآن.
 
وعرفت مصر القديمة عددا من أطباء العيون المشهورين وهم:
- تي غنخ "داوو" من الأسرة الخامسة.
 
- "واي – أي" من المملكة القديمة.
 
- "واحا دواو" طبيب القصر في المملكة القديمة.
 
- "ميدو نفر" الطبيب الأول للقصر في المملكة القديمة.
 
- "إيري ان نخت" طبيب القصر في الأسرة العاشرة، المملكة الوسطي.
 
وعرف المصريون أيضا بعض أمراض العيون كالدمامل والشعرة، والأخيرة كانت تعالج بإزالة الشعر ثم يدهن مكانه بمرهم مصنوع من خليط من دم البرص والخفاش وصفرة العصافير.
 
علاج الكيس الدهني – التراكوما – الظفرة:
كانت هذه الأمراض تعالج ببيض النسر وحجر الصوان الأسود مخلوط ببراز البجع والتمساح. الزائر للمتحف المصري سوف يفاجأ ببراعة المصري القديم في عمل العيون الصناعية الموجودة في كثير من التماثيل.
 
وتميز العيون الكحيلة قدماء المصريين باعتبارها من سمات الجمال التي عرفوا بها، ولكن لا أحد يعرف علي وجه الدقة ما إذا كان أطباء العيون هم الذين يكحلون عامة المصريين كنوع من الزينة، أم أنه كان بمقدور أي فرد عادي أن يزين عينيه بالكحل بنفسه، وكان معروفاً أن الفراعنة اشتهروا باللون الأسود للجفن العلوي واللون الأخضر للجفن السفلي.
 
ونظرا للشهرة الواسعة لقدماء المصريين ومهارتهم في علاج أمراض العيون وتشخيصها، طلب الإمبراطور "قمبيز" - الذي كان يحكم مصر في القرن السادس عشر قبل الميلاد - من "أماسيس" فرعون مصر أن يرسل له طبيب العيون الذي يعمل في بلاطه الملكي ليعالج أمه التي فقدت الإبصار نتيجة إصابتها بالمياه البيضاء (الكتاركت).
 
وقد نجح جراح العيون المصري "نبن شياري" في إجراء عملية المياه البيضاء لأم الملك "قمبيز" واستبقاه الملك في بلاد فارس. ويعد "ابن الهيثم" الطبيب المصري والفلكي وعالم الطبيعة من أشهر أطباء العيون العرب..
 
وقد وضع وصفا دقيقا لعين الإنسان عام 1052، وهو أول من قال إن النور يدخل العين ولا يخرج منها. وهو أيضا أول من قال إن شبكية العين هي مركز التقاط صور المرئيات، وهذه الصور تنتقل إلي الدماغ بواسطة عصب العين.
 
كما أنه أول من أوضح أن وحدة النظر من "الباصرتين" أي العينين تعود إلي تماثل الصور علي الشبكية. "أبو القاسم عمار بن علي الموصلي" ولد في الموصل وعاش ومارس الطب في مصر، هو مؤلف كتاب "المنتخب في علاج العين" ووصف فيه كيفية إجراء عملية "الكتاركت" بواسطة شفط العدسة بإبرة مجوفة.
 
"علي بن عيسي" عاش ومارس الطب في بغداد بالعراق واشتهر بمؤلفه "تذكرة الكحالين" وقسمه إلي ثلاثة أقسام: الأول عن تشريح العين، والثاني عن أمراض العين الظاهرة، والثالث عن أمراض العين الباطنة.
 
وقد ترجم هذا الكتاب إلي اللاتينية وصدرت منه عدة طبعات وذاع صيته في أوروبا أثناء القرون الوسطي. وفي بلاد الشام عرف "خليفة بن أبو المحاسن الحلبي" بكتابه "الكافي في الكحل" الذي وصف فيه عملية الكتاركت وذلك في القرن الثالث عشر، وجاء من بعده "صلاح الدين بن يوسف الكاحل" الذي عاش في مدينة حماة ليؤلف كتابه "نور العيون وجامع الفنون" والذي اشتمل علي وصف للعين والبصر ومعظم أمراض العيون التي مازالت تدرس حتي الآن.